| الذين استغربوا الأزمة العربية - العربية التي أعقبت اجتماع وزراء الخارجية العرب للتحضير لمؤتمر القمة المزمع عقده، ما كان عليهم أن يستغربوا، فالمقولة الشائعة بأن “العرب قد اتفقوا على أن لا يتفقوا” لا تزال وبكل أسف سارية وفاعلة!! وأتذكر جيدا وقع اجتماع القمة العربية في العاشر من آب/أغسطس 1990 الذي كان من المفترض أن يعالج كارثة الغزو ومهزلته، وإذا به يكشف الغطاء عن مهازل عربية كامنة تحت أغطية الشرعية العربية المزورة!! والذين شاهدوا شريط الحوار العربي - العربي بين بعض أقطاب الأنظمة العربية، والذي أعقب جلسة التصويت على قرار يدين الغزو العراقي للكويت، نقول الذين شاهدوا ذلك الشريط الذي سربه بعض الآسفين على واقع الأنظمة العربية، لم يتمالكوا أنفسهم من البكاء حسرة وقهرا على هكذا أنظمة، وهكذا عقول تدير دولا مارست الحضارة في تاريخها وصدرت منها الكثير من الملامح الواعدة والمذهلة·
ستعجز الأنظمة العربية عن إدانة “صدام حسين” ونظامه لسبب بسيط جدا، وهو أن في إدانتها لذلك النظام إدانة مباشرة لها!! بل على العكس، ستحرص أنظمة الدول العربية على ترسيخ نظام كالنظام العراقي لأنه سيطرح مقارنة غبية بين أنظمة علنية في دكتاتوريتها وبطشها وأخرى متسترة تحت رداء ديمقراطية الـ %99,99 ومؤسسات مدنية زائفة ومكبلة بقرارات وأوامر القيادات العليا من المتنفذين وأصحاب السلطة والمراكز·
هنالك يقين لدى الكثير من أقطاب الأنظمة العربية المهيمنة في عالمنا العربي، أن إدانة صدام حسين وإسقاط نظامه بتهمة الدكتاتورية والبطش والقمع سيطرح حتما احتمالات إدانة أنظمة أخرى، كثيرة ستكون مطالبة بالتغيير للأسباب والدواعي ذاتها!! ولعل ذلك هو السبب الرئيسي وراء حالة الذعر التي انتابت أنظمة عربية كثيرة، وجعلتها تعلن عن تسويات وإصلاحات ديمقراطية مقبلة!!
مشكلة العقلية القيادية في عالمنا العربي أنها لا تدرك شروط البناء التراكمي للنهج الديمقراطي، فالديمقراطية والحرية بكل أشكالها لا يمكن أن يحققها قرار مذعور أو متسرع، لأنها عملية يتم بناؤها أولا وغرسها في وعي الفرد والمواطن لكي تصبح جزءا من ثقافته ومن ثم تتطور بشكلها السياسي المتمثل بالمجالس المنتخبة وعمليات الترشيح والانتخاب، وغير ذلك من معالم مجتمع الدولة الديمقراطي!!
عجز العرب إذا عن إدانة أو معاقبة صدام لأنهم جزء منه، لكن ذلك لا يعني بأن علينا كشعوب عربية تحلم بالحلم العربي الكبير بالحرية والتحرر من كل أشكال البطش والعنف، أن نذعن لذلك العجز العربي أو أن نرضى بقدره، وإلا نكون بقرارنا هذا قد هيأنا المناخ لألف صدام وصدام· إن نظاما كالنظام البعثي العراقي لا يمكن أن يسود لثلاثة عقود كاملة وسط محيط من الحريات والأنظمة الديمقراطية·
فلولا الدكتاتوريات العربية لما صمدت جمهورية الرعب الصدامية، ولو كانت الأنظمة العربية أنظمة ديمقراطية حقا تؤمن بالحريات، وتمنحها سخيا لأدانت من دون خجل أو عراك عدوان العراق في العام 1990، أو على الأقل شكلت - بحكم الجوار والروابط السياسية - ضغطا أسقط نظام صدام حسين وأنقذ العراق من كابوس الرعب والظلام·
نتمنى كشعوب عربية أن نعي الرمز في الكارثة العراقية، وأن نتيقن بأن خيار الديمقراطية ليس ترفا ولا نهجا غربيا أو غريبا عن تقاليدنا وأعرافنا العربية، وإنما هو صمام أمان يقي الجميع بطش بعضهم ببعض!!
إن لقاءات عربية كلقاء وزراء الخارجية شأنه شأن قمم عربية كثيرة يترجم طبيعة الخلل الكامن في جوهر الأنظمة العربية بشكل عام، وإصلاحه لا يمكن ما لم يطل هذا الإصلاح جذور ذلك الخلل في الأنظمة القابعة فوق النفس العربية ردحا طويلا من الزمن أفقدها حسها القومي، وانتزع من وعيها إدراكها لوحدة أزماتها ومشاكلها، فتنازعتها الأخطار والمهالك بفعل دكتاتوريات معتقة بالقرار العربي المتخاذل·
suad.m@taleea.com |