| على الرغم من أن مرتكبي الجريمة البشعة التي راحت ضحيتها الطفلة “آمنة الخالدي” ليسوا أحداثا بالمعنى الدقيق للمصطلح، إلا أنهم يعتبرون في عمر صغير مقارنة بمتوسط عمر المجرمين في الكويت!! وظاهرة الإجرام لدى شريحة الشباب هي ظاهرة جديدة تطل برأسها على المجتمع الكويتي!!
المتعارف عليه دوليا أن الحدث هو الذي لم يتجاوز عمره الثماني عشرة سنة!! وقد اتفقت الأعراف الدولية على أن مرتكبي الجرائم من الأحداث يحاسبون ويعاقبون من قبل محاكم خاصة بتلك الفئة العمرية من المجتمع، وذلك رأفة بهم لصغر أعمارهم·
وقد نشأت محاكم الأحداث في القرن 18 لتكون مؤسسات وعظ ومساعدة لهؤلاء الصغار بحيث يتم إعدادهم للانخراط في مجتمعاتهم بعد قضاء العقوبة!! وقد كانت ولاية ماساتشوستس الأمريكية أول ولاية تفصل محاكم الأحداث عن غيرها من المحاكم المعتادة· ثم تبعتها ولايات عدة قبل أن تدشن كندا محاكمها المخصصة للأحداث لتتبعها فيما بعد دول العالم!!
لقد أثارت هذه الجريمة البشعة أمورا كثيرة أهمها على الإطلاق درجة العنف التي ميزت جرائم الشباب في الأعوام العشرة الماضية، والتي قد تكون مرتبطة بالمعاناة النفسية التي عانى منها المجتمع جراء الغزو وما تبعه من فوضى أخلاقية سادت المجتمع ولعبت بأولوياته الأخلاقية بصورة جعلت الناشئة يفقدون معالم الطريق الصائب!! ولا نستثني من تلك الفوضى كارثة المخدرات التي أصبحت تفترس من الشباب أضعاف ما تفترسه حوادث الطرق والأمراض!! ونحن هنا لا نبرر أعمال العنف بكونها نتيجة لتلك الفوضى الأخلاقية، وإنما نقول إن هنالك ثغرات في المجتمع بشكله السياسي والاجتماعي والاقتصادي أدت الى مضاعفة العنف الشبابي وشراسته في الآونة الأخيرة!! ولا نملك حتى الآن أي أدوات تحليلية لتلك الظاهرة المخيفة والمؤلمة!! وبخلاف غرس الوازع الديني فنحن لم نسمع عن أي جهة أخرى تبنت أو تطوعت لمعالجة ظاهرة العنف الشبابي بصورة جادة وعملية!! فالوازع الديني وحده لا يمكن أن يكون المعول الوحيد للتصدي لظاهرة خطيرة أصبحت من ضمن تفاصيل حياتنا اليومية لأن منشأ العنف ليس فقط بسبب غياب الوعظ الديني وحسب، وإنما هو قضية مركبة يأتي تحتها الظرف الاجتماعي والاقتصادي اللذان يشكل غيابهما أو ضعفهما خطرا لا يقل أبدا عن خطر غياب الوازع الديني!!
لقد فتحت قضية الطفلة آمنة ملف الكويت البشري على مصراعيه· فالكثير منا لا يزال ينظر الى الكويت بكونها ذلك المجتمع المحدود الأطراف والضيق في معالمه الجغرافية والبشرية، لذا فقد شلتهم تفاصيل الجريمة البشعة، وبدؤوا يبحثون في أسباب سلوكية كالإدمان مثلا لكي يتمكنوا من تصديق حيثيات تلك الجريمة المخيفة· وذلك قبل أن تصدمهم ظروف الحياة وحقيقتها في مناطق كالصليبية مسرح تلك الجريمة!!
ونود هنا أن نكرر مرة أخرى أن ذلك ليس تبريرا للقتلة ولا لجريمتهم ولكنه محاولة لتذكير المسؤولين بالخطر الذي قد يسببه الإبقاء على مناطق منبوذة اجتماعيا وسياسيا وكما هو الحال في منطقة الصليبية!! وهي منطقة تحتضن وبصفة رسمية أعدادا هائلة من المنبوذين كغير محددي الجنسية وغيرهم من الفئات التي عجزت أن تجد موطئ قدم في الجسم السياسي والاجتماعي والاقتصادي الكويتي!!
الذين لم يروا منطقة “الصليبية” إلا على صفحات الجرائد، سيشعرون بالخجل والخوف لو قاموا بزيارة ميدانية لمشاهدة الحياة البائسة هناك!! أما الخجل فمبعثه أن الكويت هذه الدولة الغنية والصغيرة في حجمها تحتضن مناطق سكانية لا تتوافر فيها حدود المعيشة الأساسية· بل وتتمدد يوميا بفعل الإهمال والتأجيل في حسم قضايا الإقامة غير المشروعة والبطالة والعيش على هامش المجتمع!! وأما الخوف فمصدره أن بيئة كهذه ستخلق ألف قاتل وستُردى ألف آمنة وستصّدر آلاف المدمنين وتجار الكيف والموت!!
إن تفاصيل جريمة الطفلة “آمنة الخالدي” ليست تفاصيل جريمة قتل طبيعية وعادية فالأسلوب الذي اتبعه الجناة في تنفيذ جريمتهم يجعلنا أمام سلوك عدواني بشع ليس وليد لحظة الجريمة ولا حتى قبلها بزمن يسير!! سلوك علينا أن نقتفي أثره، ونعود به الى ما قبل لحظات اختطاف الطفلة البريئة، وذلك قبل أن تسقط لنا ألف آمنة، وتشهر آلاف السكاكين!! |