| لم أتمالك نفسي من ذلك الشعور بالتقزز وأنا أسمع “ياسر عرفات” يستجدي الشهادة على شاشات التلفزيون بينما قوات الإرهاب الشارونية تدك معقله في “رام الله”· ولم أستطع أن أحبس ذلك الشعور باليأس وأنا أرى القادة العرب عاجزين عن الخروج من هذا الواقع المحزن ولو بقرار هزيل يحفظ ماء وجوههم!!
إن المأساة العربية التي لخصها المجتمعون في القمة الأخيرة تتلخص بأن العرب يجهلون التاريخ أو يتجاهلونه· ويعاندون وبشدة مقومات وشروط التحول السياسي والفكري!!
لم ينجح العرب في مواجهة إسرائيل لسبب بسيط جداً، وهو أن العرب الذين واجهوا إسرائيل في الأربعينات وعجزوا عن كبح جماح الإرهاب الإسرائيلي هم الذين يحاولون مواجهتها الآن وبالأدوات نفسها على الرغم من مرور كل هذه السنوات من تحولات ومستجدات!! إسرائيل استطاعت أن تتفوق على العرب سياسياً وعسكرياً بسبب تلونها وتبدلها السياسي الذي يمكنها من الملاءمة لكل زمن وحدث!!
لم تتغير الواجهة السياسية العربية على الرغم من كل ما حدث ويحدث في العالم من حولها، وعلى الرغم من (الأخطاء الفنية والإدارية) في إدارة النضال العربي ومنذ كارثة العرب في العام 1948!! وهو أمر يدعو إلى الدهشة ونحن نراقب تلك (الاستمرارية) المؤلمة للرموز العربية التي لم تفرق بين نظام جمهوري أو وراثي!! ولم تستثن حتى المؤسسات والجبهات النضالية!! ونخص بالذكر هنا الزعامة الفلسطينية ممثلة بالرئيس “ياسر عرفات” الذي ذكر عنه “ادوارد سعيد” في كتابه “سلام بلا أرض” أن جملة الأشخاص الذين يوظفهم في سلطة الحكم الذاتي تقدر بنحو 48 ألف شخص، ويشمل هذا العدد 19 ألف شخص من الشرطة، وحوالى 29 ألف - موظف في الإدارة المدنية منهم عشرة آلاف مدرس لم يلتق بهم عرفات سواء كمجموعة أو كأفراد ذلك لأنه لا يولي اهتماماً للتعليم وينفق عرفات على موظفيه هؤلاء كل ما يتيسر له الحصول عليه من الجهات المانحة للمعونات التي تبلغ حوالى عشرة ملايين دولار شهرياً، بالإضافة إلى كل ما يحصله أو تقوم إسرائيل بتحصيله لحسابه من ضرائب تقدر قيمتها بحوالى ثلاثين مليون دولار شهرياً· ولا يبقى بعد ذلك شيء لتحسين شبكة الصرف الصحي أو الخدمات الصحية أو لرفع المستوى العام للعمالة!! ويوفر العاملون وأسرهم البالغ عددهم 350 ألف فرد شبكة هائلة من التابعين لعرفات من الذين يدينون له بالولاء!!
إن السند السياسي الذي يعتمد عليه عرفات هو حزبه (فتح) الذي يقوم بدور المنفذ لأوامره والذي قام عرفات بتسليح أفراده بما فيهم طلاب الجامعة في مناطق الحكم الذاتي، وهو يلقى في هذا المساعدة والتشجيع من إسرائيل التي لا يروقها شيء مثلما يروقها أن يلجأ عرفات إلى طرق غير ديمقراطية في تنفيذ ما كانت تقوم به بطرق غير ديمقراطية أيضاً وهو الحفاظ على القانون والنظام وإخماد أنفاس المعارضة· فالصحافة الفلسطينية بالوضع الذي هي عليه الآن ليست حرة ولا تنشر سوى القليل جداً مما يمكن أن يُعد انتقاداً لعرفات وقد تم إغلاق بعض الصحف والمجلات حتى يكون هذا درساً لمن يفكرون في مس طرف ثوب عرفات· وفي 5 مايو عام 1995 ذكرت صحيفة “الحياة” أن مكاتب صحيفة “الأمة” وهي صحيفة معارضة تصدر في القدس قد أحرقت عمداً وأن صاحب الصحيفة قد وجه الاتهام لشرطة السلطة الفلسطينية!!
إن مشكلة عرفات الحقيقية لا تكمن فقط في زعمه بأنه صانع الانتفاضة بل في تنصيبه لنفسه كمتحدث أوحد باسم شهدائها وأبطالها· إن عرفات الذي يتحدث الآن عن بطولات الانتفاضة لم يرجع إلى شعب الانتفاضة البطل للتشاور معه في أثناء التفاوض السري في أوسلو، بل إنه لم ينبس ببنت شفة عن أبطال الانتفاضة في أثناء خطابه المذل في البيت الأبيض· الأمر الذي يعني أنه يتصور أن في مقدوره أن يمحو ذكرى الانتفاضة أو يستدعي تلك الذكرى كلما عنّ له ذلك وبقرار منفرد!!
وعلى الرغم من كل ذلك وغيره الكثير مما لا يتسع المجال هنا لذكره فإن عرفات لايزال يتزعم القرار الفلسطيني، تماماً كما يتزعم قادة عرب كصدام حسين والعقيد القذافي، وعلي عبدالله صالح القرار العربي!! فلا عجب إذاً إذا ما اجتاحت إسرائيل رام الله والبيرة وهددت لبنان والأردن وسورية، وتوعدت العرب ومادام “عرفات” مناضلاً وطالباً للشهادة، و”صدام حسين” رمزاً للصمود العربي فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!! |