| ستشكل الاعتداءات الإرهابية الأخيرة على الولايات المتحدة مرحلة جديدة فاصلة بالنسبة للتيارات السياسية في العالم العربي على وجه الخصوص!! وإذا كانت حركة المد القومي والتيارات الليبرالية قد شهدت ومنذ هزيمة العرب في 1967 انكسارا على مستوى الفكر والممارسة، وإذا كانت تلك الهزيمة قد مثلت ضربة قوية للتيارات الماركسية والقومية والليبرالية التي لم تخضع لعمليات تجديد تواكب تطورات الأحداث!! فإن ما حدث يوم الحادي عشر من سبتمبر في نيويورك وواشنطن سينعكس وبصورة مباشرة على حركة التيارات السياسية في العالم العربي!!
فمن الواضح أن التيارات القومية والليبرالية تقف على أهبة الاستعداد لالتقاط الدور من تيارات الإسلام السياسي إذا ما ثبت قطعيا تورط بعضها في الانفجارات الإرهابية في الولايات المتحدة!! وبالفعل فقد عبر عن ذلك الكثير من أقطاب تلك التيارات سواء على الصعيد المحلي في الكويت أو على المستوى العربي بشكل عام!!
لكن هناك جملة من المحاذير يشترط على الفكر الليبرالي أن يتجاوزها قبل أن يعيد بناء قواعده ومدارسه!! أولها يكمن في ضرورة البدء بتجديد آليات الطرح وأدواته بصورة تتلاءم مع طبيعة المجتمع العربي فكريا وعقائديا وحضاريا!! بمعنى آخر أن يحرص الليبراليون على الحديث بلغة الشارع والابتعاد عن كل المفردات التي تحوي تعاليا أو ترفعا على المستوى العام!! فالطرح الليبرالي كان دائما هو طرح (النخبة) دون محاولة إدراج الآخرين في الحوار أو المساهمة!! وهو أمر أدى ولا شك الى نفور الكثير من أفراد المجتمع العربي وعلى كل الطبقات من طرح التجمعات الليبرالية!!
أما المسألة الثانية فتتلخص في ضعف التنظيم والتعاون بين التجمعات الليبرالية على اختلاف تسمياتها!! فالفكر الليبرالي يضم في إطاره الشيوعيين واليساريين والكثير من الاتحادات العمالية وغيرها من أصحاب التوجهات التوافقية ودعاة المناهج المعتدلة، دون أن يكون هناك ما ينظم أو ينسق العمل فيما بينهم!! ولقد انعكس هذا التشرذم على الخطاب الليبرالي بشكل عام فقلص من فاعليته وأدائه!!
تتلخص الأزمة الثالثة للفكر الليبرالي في تجاهل قياداته وأقطابه لطبيعة المجتمعات العربية الدينية والعقائدية حيث مارس بعض أقطاب الفكر الليبرالي عنفا فكريا من خلال الإصرار على ترويج نظريات فكرية تتناقض أو تخالف الطبيعة المحافظة للمجتمعات العربية والإسلامية، مما زاد من نفور الكثير من ذلك الطرح الليبرالي وضاعف من فرصة التيارات الأخرى في الانتشار والقبول!!
أمام الفكر الليبرالي اليوم تحديات كثيرة وكبيرة عليه أن يتجاوزها في صراعه مع أصحاب الفكر التقليدي، وعليه أن يتناول الفرصة المطروحة الآن بنضج وجدية أكثر ليجدد خطابه وبرنامجه بصورة تؤهله لقبول أوسع وأشمل!!
ولا نقول بأن على الفكر الليبرالي التخلي عن أولوياته أو عن أفكاره، وإنما نقول بأن عليه أن يخرجها من واقعها النظري ومن جمودها وشعاراتها ويدنو بها من قلب المجتمع وجوهر شؤون المواطن اليومية والحياتية!!
إن أبرز ما يميز الجماعات والتنظيمات الإسلامية هو ذلك الخروج المنظم والمنتظم الى قلب الشارع العربي، وانصهارها في كل شؤون المواطن من خلال قواعد شعبية مدربة ومنظمة حظيت بتأييد جماهيري واسع خلال العقود الأربعة الماضية· وذلك جل ما تفتقده التيارات الليبرالية التي تتقلص في تنظيمات نخبة تضم تحت إطارها مجموعات من المثقفين وبعض الطلبة وأعداد يسيرة من شرائح العمال ممن عجزوا عن الانخراط في بنية المجتمع والقيام بمهام واضحة وملموسة!!
لقد ساعدت سهولة الخطاب الديني تيارات الإسلام السياسي على الانتشار والهيمنة، واستثمرت تلك التيارات الدين الإسلامي بصورة خدمت أهدافها وبرامجها ومكنتها من السيطرة على الدولة بمؤسساتها ليس هنا في الكويت وحسب وإنما في أكثر من دولة عربية وإسلامية، واليوم تقف هذه التيارات في أزمة خلفها انخراط بعض تلك التيارات في العنف والإرهاب، وتسببت في الكثير من الأزمات السياسية!! واليوم أيضا تقف التيارات الليبرالية خجلى ومترددة بعد أن فتحت تفجيرات نيويورك حلبة الصراع الفكري من جديد، ووجهت لها الدعوات للوثوب الى الساحة، فهل تحسن التيارات الليبرالية اللعبة هذه المرة وتعود أقوى بعد أن أنضجتها سنوات الاغتراب الأربعون!! ما علينا إلا أن ننتظر لنرى!!؟ |