رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 4 أبريل 2007
العدد 1768

المثالية والمرونة على مضمار التحدي
عبد العزيز خليل المطوع
???? ??????

قد تتكرر كثيرا صورة الموظف (س) خارجا من مكتب رئيسه في العمل مطأطىء الرأس منطفئ الحماس ملؤه الإحباط والغيظ، وما كل ذلك إلا لأن رئيسه رفض المشروع الذي قدمه بحجة أنه كان مثاليا في تصوراته التي وضعها في اعتباره، فأضفى على مشروعه مسحة من الخيال حلّقت به بعيدا عن أرض الواقع· وفي الإطار نفسه قد تتكرر صورة أخرى مغايرة للموظف (ص) خارجا من مكتب رئيسه وهو مبتهج تغمره السعادة حتى يكاد أن يطير في الهواء، لأن مشروعه مفعم بالمرونة في الرحلة التفكيرية التي واكبت إعداده ومناقشته حتى قوبل بالتصفيق·

هاتان الصورتان المغرقتان في التناقض، تستمطران المتأمل وابلا من التساؤلات الحائرة، فهل المثالية نقيصة بذاتها أم لتوقيت استخدامها أم لغرابتها عن الظروف المحيطة؟ وهل المرونة مزية على إطلاقها أم أنها هي الأخرى محكومة بتوقيت استخدامها ومقتضى الحاجة إليها؟ وهل المثالية رداء جميل يواري سوءة الجمود والتحجر؟ وهل المرونة كلمة مهذبة يقصد بها التلوّن والزئبقية في المواقف؟ ولو قُدّر لشخصيات المشهدين السابقين أن يتبادلوا أدوارهم، فهل سيتشبث كل منهم بمبادئه وقناعاته؟ أم أن تلك المبادئ والقناعات ستتحور، وسيتكرر نفس سيناريو المشهد وحواره، مع فارق وحيد يتمثل في الأشخاص الذين تبادلوا أماكنهم، لأن حدة أو انفراج الزاوية التي يطل منها كل واحد منهم على الآخر هي التي تُملي المواقف والأخلاق على الناس؟ وبالجملة، هل المثالية صك وفاة للأفكار وأصحابها؟ وهل المرونة بطاقة مرور بلاتينية للأفكار والأشخاص إلى عوالم النجاح والأضواء؟·

ستبقى هذه التساؤلات متأرجحة بين نعم ولا في آن واحد، ولن تجد إجابة قاطعة شافية طالما تسيّست مصالح المؤسسة، وطالما تفشّت ظاهرة إخضاع الرؤساء والمرؤوسين بعضهم البعض لتشريح فكري أو شخصي، يتبادلون بسببه تراشق الاتهامات تارة بالمثالية التي لا يقصد بها كونها "وصفا لكل ما هو كامل في بابه، كالخلق المثالي واللوحة المثالية" كما يعرفها المعجم الوسيط لغويا، كما أنه لا يقصد بها "البحث عن الكمال من خلال التمسك بمبادئ أخلاقيات المهنة والمنهجية في التفكير"، بل هي اصطلاح رمزي في الأوساط الوظيفية يقصد به "عدم تحلي ذلك الشخص بالقدر الذي يحدده رئيسه من المرونة كما سنعرّفها بعد قليل"·

أما عندما يتراشق الرؤساء والمرؤوسون الاتهام بالافتقار للمرونة، فالمرونة هنا لا يقصد بها "اللين في صلابة" كما يعرفها المعجم الوسيط لغويا، كما أنه لا يقصد بها "النشاط العقلاني الذي يوائم بين منهجية المشروع أو الفكرة والمبادئ العلمية والمهنية التي صممت على أساسها، وبين معطيات الواقع حتى يكون التنفيذ ممكنا وعمليا"، بل يُرمز بها في الأوساط الوظيفية إلى " اللاموقف أو هشاشة الرأي والتلون ومحاباة الرؤساء وطاعتهم طاعة عمياء"·

لو ابتعدنا قليلا عن تلكما الصورتين، وتخلصنا من التأثير المنبعث منهما بسبب تداخل ألوان النتائج والمسببات إلى الحد الذي يصبح التمييز بينهما ضربا من المستحيل، وحاولنا صياغة الأحجية الإدارية التالية: لو أن موظفا ما كلفه رئيسه في العمل بمهمة معينة، فما هو سلاحه الاستراتيجي الذي يستخدمه لتمرير مشروعه والوصول به إلى خط النهاية وحسم النتيجة بالتالي لصالحه، هل يهاجم بالمثالية ويدافع بالمرونة؟ أم هل يهاجم بالمرونة ويدافع بالمثالية؟ وأقصد هنا المثالية والمرونة بمعانيهما الاصطلاحية وليس الرمزية·

قبل أن أبدأ في رحلة البحث عن حل الأحجية، سأقوم بحركة التفاف عليها، وسأتوجه نحو أمرين في غاية الأهمية، الأول: إلقاء ومضة على الإبداع، الذي يعرّف بأنه: "عملية إنتاج أفكار جديدة تتميز بدرجة عالية من الخروج على المعروف، وتستند هذه العملية إلى قدرات عقلية عالية وسمات شخصية خاصة أبرزها المعرفة العلمية والدافعية للإنجاز والتميز"·

هذا الإبداع الذي ذاع صيته وطبقت شهرته الآفاق حتى أصبح عملة قلّما نجد من لا يتداولها، أليس الإبداع خلطة عبقرية من المثالية والمرونة، مثالية في تطويع الموهبة ومرونة في معايشة الواقع؟ ربما تكبل المثالية المطلقة الإبداع بقيودها فلا يتحرك إلا في بطء شديد، وسيضطر إلى اجترار أفكاره القديمة، ولكن المرونة المطلقة ستجعل من الإبداع عملة عادية كسائر العملات يُشترى بها الطعام كما يُشترى بها السم، وصناعة السينما خير من يجسّم هذه الحقيقة تجسيما واقعيا منقطع النظير، إذ كلما أبدعت السينما في تصوير قصص الجريمة والعنف، كلما تزايد عدد الجرائم وتنوعت أساليب الجريمة وصعبت مهمة رجال الأمن في الكشف عن المجرمين، وكلما تضخم حجم التنظيمات الإجرامية حتى تحولت إلى قوى تصادم الحكومات الشرعية عندما تتضارب المصالح، وكلما أُرهقت ميزانيات الدول حتى غدت بلاعات للإنفاق على مكافحة الجريمة وإيقاف طوفانات العنف، فأي شيء جنت البشرية من ذلك الإبداع؟· إن إبداعا بلا قيادة من العقل وبلا ضوابط من المنافع الإيجابية، يصبح زراعة لحقل من الألغام، لا بد وأن يأتي عليه اليوم الذي يصبح فيه ضحاياه هم نفس زارعية"·

أما الأمر الثاني، فهو الخطيئة التي يرتكبها الناس بحق أنفسهم ثم بحق الآخرين، وذلك عندما يتسطحون في إسقاط الألفاظ لوصف تصرفاتهم، كالقول بأن فلانا شجاع أو كريم، هنا يتناسى الناس وجود مستطيل من التدرج الطيفي للتصرفات والأخلاق والأعمال، ولو أسقطنا أي لفظ إسقاطا بيانيا على ذلك المستطيل لأخذ شكل الخط المتدرج صعودا من الأدنى الموجب إلى الأعلى ثم عند نقطة معينة يتحول إلى السالب، ولو طبقنا هذا الشكل على صفة كالشجاعة لوجدناها تتدرج صعودا من الإقدام إلى التضحية ثم تتحول إلى التهور، وكذلك الحال بالنسبة للمرونة التي تتدرج من الصلابة إلى الليونة المتماسكة ثم تتحول إلى الهلامية أو اللاشكلية·

هنا يسطع حل الأحجية من قول الحق تعالى: (ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تُعلّمون الكتاب وبما كنتم تدرسون "الآية 79، سورة آل عمران") أي مزيج مكون من قناعات وثوابت مستقاة من علم ومبادئ يقينية (مثالية)، وتطبيق عملي أو خبرة قائمة على معايشة ظروف الواقع ولا يحيدان عن ذلك العلم ومبادئه (مرونة)، وبهذا يصبح الحل إذن، أن يهاجم بالاثنين وأن يدافع بهما أيضا·

ولكننا نخرج من هذا بأكثر من حل الأحجية، لندرك أن المثالية هي بوابة الإبداع المنضبط بجلب المنافع ودرء المفاسد والشرور، وأن المثالية غذاء التفكير الجاد، كما أن المرونة التي يتطلبها التعامل مع الظروف المحيطة بواقعية هي الجناح الذي يطير بالفكرة من أرضية البناء والسكون إلى أرضية التطبيق والحركة الإيجابية·

من الجهة المقابلة، فإن اللامثالية أو تعطيل المثالية هو فساد أو انحراف في التفكير، ونافذة مفتوحة على مصراعيها للحلول العرجاء والكسيحة، وأيضا فإن اللامثالية تعني تزييف الإبداع وتهميش التميز، وتعني كذلك العجز عن تنفس نسيم النجاح في القمة، ثم التذرع بالمرونة المزيفة حبا في تنفس الغبار الذي يثيره الزحف على القاع· كما أن التصلب في الآراء والمواقف ومخاصمة المرونة يعني التوقف عن الحركة في مضمار التحدي عند نقطة معينة، بالمقدار الذي يجعل الآخرين أسرع وصولا إلى خط النهاية·

* كاتب إماراتي

�����
   

أوروبا لها "فزعتها":
د.عبدالمحسن يوسف جمال
ملفع الوزيرة!!:
سعاد المعجل
نعم الثقل العربي خليجي:
عبدالله محمد سعيد الملا
إمّا حرامي أو أثول:
على محمود خاجه
"لا طبنا ولا غدا الشر":
المحامي بسام عبدالرحمن العسعوسي
المعدلة وراثيا:
مريم سالم
الحكومة مطالبة بتطبيق القانون:
محمد بو شهري
الحكومة والأحزاب "تحزبوا":
المهندس محمد فهد الظفيري
معصومة وزيرة للخارجية.. ما المانع؟!:
عبدالخالق ملا جمعة
شاعر المليون:
المحامي نايف بدر العتيبي
المثالية والمرونة على مضمار التحدي:
عبد العزيز خليل المطوع
أرقام منسية:
عبدالله عيسى الموسوي
إسرائيل في بيوتنا:
باقر عبدالرضا جراغ
الكبيرُ كبيرٌ دائمًا:
د. فاطمة البريكي
بذاءة إلكترونية أخلاقية وسياسية ..ولا مسؤولية!:
خالد عيد العنزي*