عجيب أمر هؤلاء الناس الذين وصلوا بقدرة قادر·· إلى ما وصلوا إليه، ثم أخذوا يدعون أنهم أصحاب حضارات سادت ثم بادت، واليوم لديهم رؤية نحو التقدم، ويعملون للمصلحة العامة وينشدون العدل والمساواة وتكافؤ الفرص ويهدفون إلى تحقيق المزيد من الحرية والديمقراطية·
الثوريون منهم يقولون: إن ثورتهم الوطنية جاءت لتحقيق الرفاه والرخاء للشعب، والانقلابيون يقولون: إن انقلابهم جاء لتصحيح مسار الحكم الفاسد، والإسلاميون يقولون: جئنا لنحكم بما أنزل الله، والخالدون من الحكام يقولون: نحن أفضل الموجودين حققنا لشعوبنا الاستقرار واستتباب الأمن·
ويمضي قطار العمر، والشعوب تتطلع بكل أمل ورجاء إلى المستقبل الوردي، الذي وعدوهم به، ويصبح المستقبل حاضراً، فإذا بالوردي يتحول أسود وينقلب الرخاء الاقتصادي إلى مديونيات جعلت البلاد برمتها كالعصف المأكول·
وبعد سقوط البلد في قعر المديونية الكبير تتتابع المآزق وتنشأ الأزمات، فينتكس التعليم، وتعتقل الحرية، وتحتضر الثقافة، ويهوي الفن إلى الحضيض، ويشح الإنتاج، ويتفاقم الاستهلاك، ويتعملق الفساد الاجتماعي والإداري، وتتراجع ويصاب البلد بإسهال حاد كأطفاله·· وأطفالنا جميعاً بلا مستقبل، باستثناء أطفال الحجارة، هم فقط الذين يرسمون مستقبلهم بأيديهم·
ويمضي قطار العمر·· والشعوب العربية تبحث عن مخرج من خلال الشعارات الثورية الكثيرة وتبحث عن المستقبل الموعود في الخطابات الرسمية والقمم العربية، ولكن كمن يبحث عن إبرة في محيط· تتسع الهوة الثقافية والاقتصادية بيننا وبين العالم المتقدم·
الذين سبقونا إلى آفاق المستقبل قالوا أنتم شعوب لها ماضٍ عريق، ولكن ليس لها حاضر ولا مستقبل·· العالم من حولكم يتقدم بسرعة وأنتم تتخلفون بالسرعة نفسها، حتى الفرصة التي أتيحت لكم لم تستفيدوا منها وعلى الرغم من وضوح الرؤية وسماع الأصوات الشريفة التي تدق أجراس الخطر على مسامعكم، فإنكم تفوقتم على بعضكم، تنافقون بعضكم، تقتلون بعضكم، تشتمون بعضكم، تقلدون بعضكم، تتحدون بعضكم، فإلى متى يستمر جهلكم هذا؟ وتخلفكم هذا؟ ونومكم هذا؟
ألا تتذكرون قول شاعركم، حين قال:
إذا الشعب يوماً أراد الحياة···