| منذ سنوات طويلة ونحن نسمع عن التطور الإداري الذي اختلف الناس في تسميته، فقال بعضهم (التشابك الإداري)، وغير ذلك من العناوين التي تتصدر الصحف المحلية أو جداول أعمال اللجان الإدارية، أو تقاريرها المرفوعة للمعنيين بشأن تطوير الجهاز الإداري في القطاع الحكومي·
هذا (الطنطل) أو الفك المفترس الذي أعجز الرجال وحير اللجان وشغل بال المؤتمرات حتى أيقن المرء أن أية محاولة نحو تطوير الجهاز الإداري غدت ضرباً من ضروب الخيال·
والقصة يطول شرحها لكن دعونا نتفق في البداية على اسم ملائم لهذه المشكلة وأقترح أن نضعها تحت عنوان (تحديث الجهاز الإداري)، وقد تحمل كلمة تحديث من الديناميكية والشمولية ما هو أوسع وأدق مما تحمله كلمة تطوير·
فقد يحمل التطوير معنى الجزئية لبعض الأدوات والوسائل مثلاً أو لبعض الأشخاص، بينما التحديث يعني العقول أولاً ثم الوسائل والأدوات والاندفاع نحو المستقبل بدماء جديدة، فالتحديث هو تحديث لعقل الإنسان، إذ من السهل أن نستعين بأجهزة الحاسوب في تطوير النظام الإداري في المرحلة التي نعيشها وتظل الخطط والوسائل الأخرى تقليدية، بينما الدخول في عصر الحاسوب يعني استبدال النظام كله من ألفه إلى يائه بأجهزته وأهدافه ونظمه وأشخاصه، وهو المعنى الذي تتضمنه كلمة تحديث·
من هنا، فنحن جميعاً مسؤولون عن إنجاز عملية التحديث لأن الإنسان بحكم أنانيته نراه يتمسك بوظيفته إلى أن يوافيه الأجل المحتوم، أو إلى حين الإطاحة به بقوة القانون أو بغزو الشيخوخة·
وللأسف كلنا نحمل النزعة (البورقيبية) فنكره الإيثار ونحجب الفرصة عن الآخرين لأن لنا في الوظيفة مآرب أخرى، فهي تشبع غرورنا وحبنا للسطوة والنفوذ والبريق الاجتماعي الذي يخطف الأبصار ويجعل من الصعب على صاحب المنصب أن يتنازل عنه لشخص آخر، وكلما علا المقام زاد التشبث به، والانصهار في سحره، وعلى الرغم من الغنى الذي يتمتع به صاحب المقام وعلى الرغم من الجاه الذي يتمتع به، إلا أن أي اقتراح يقدم إليه وينصحه بأن يركن إلى الراحة ويخلي مكانه لجيل الشباب عملاً بالمصلحة العامة ورحمة بصحته وراحة باله، سيجعله يرد رد الدراويش متمسكاً قائلا: (إن الغنى لله وحده، وكل شيء من أجل الأولاد)، وهو في قرارة نفسه لا يفكر إلا في ذاته، حيث لديه من المال ما يكفي عشرة أجيال من أحفاده، وما يمكنهم من أن يعيشوا برفاه ونعيم من دون أن تسقط نقطة عرق من جباههم·
بعض الناس في عالمنا العربي يمارس كل أنواع الأنانية، ويستميتون في التشبث بوظائفهم ويسحقون أية محاولة لانتزاعهم من دائرة نفوذهم· |