
· لبنان الذي تماسك في الحرب العسكرية بحاجة إلى تماسك أكبر في الحرب السياسية
كتب محرر الشؤون العربية:
يتابع المراقبون بحذر شديد حالة سكوت المدافع بعد 34 يوما تواصلت فيه هجمات العدو الصهيوني الجوية والبحرية والبرية في ما يعرف الآن بأطول حرب بين العرب وإسرائيل، تكبد لبنان فيها خسائر فادحة بالأرواح، ما يزيد عن ألف من المدنيين وتدمير وحشي للبنية التحتية بما في ذلك المساكن والعمارات على من فيها من أطفال ونساء وشيوخ واسر بأكملها وتهجير أكثر من ثمانمائة ألف لبناني سواء داخل لبنان أو خارجه·
ولم تسلم إسرائيل من الخسائر فقد تعدي قتلاها المائة أغلبهم من العسكريين وأعداد كبيرة من الجرحى·
هذه الحرب لم يخضها العرب على الطريقة التقليدية بجيوش استنزف تسليحها أموال الشعوب وضيع فرص التنمية، بل بتشكيلات المقاومة الشعبية التي أظهرت كفاءة عالية في القتال وخاضت قتالاً شرسا أذهل العدو الإسرائيلي الذي اعترف ضباط جيشه بضراوته·
ففي مقابلات نقلها مراسل الهيرالدتربيون جريج ماير، يقول أحد الضباط المصابين للمراسل الصحافي "إنهم (حزب الله) لم يتوقفوا عن ضربنا بقاذفات الصواريخ والبنادق الأوتوماتيكية، تلقينا إصابات مباشرة أفقدتنا القدرة على الرماية· إن مقاتلي حزب الله في كل مكان لكن من الصعوبة اكتشافهم·· إنهم بملابس مدنية، إنك لا تراهم إنما ترى نيرانهم فقط·"
وقبل إيقاف القتال بيوم واحد (السبت) كبدت المقاومة اللبنانية الجيش الإسرائيلي أكبر خسارة له في يوم واحد عندما قتلت 25 عسكرياً·
السؤال الملح الآن وبعد وقف العمليات هو هل سيصمد هذا الإيقاف الموصوف بالهش؟ فهناك إشكالات كثيرة تواجه الحالة الراهنة تكمن في تفسير قرار مجلس الأمن، فإسرائيل مازالت متمسكة بإبقاء الحصار البحري والجوي والبري باعتبار أن القرار 1701 لم يتناولها ورئيس الوزراء أولمرت وعد بأنه سيلاحق قادة حزب الله في كل مكان وزمان، وأن القوات الإسرائيلية لن تنسحب من جنوب الليطاني قبل تطهير المنطقة من حزب الله، بينما في الجانب اللبناني هناك مشكلة دخول الجيش الى الجنوب مشترطا عدم وجود سلاح غير سلاح الجيش الرسمي، مما خلق أزمة في مجلس الوزراء اللبناني، وان كان احد وزراء حزب الله لمح بأنهم لن يتنازلوا عن سلاحهم ولكن لن يكون ظاهرا·
وهنالك خشية من أن عدم حل هذه العقدة قد يفجر الاحتقانات التي ظلت تحت السيطرة إثناء الحرب، حفاظا على وحدة الموقف اللبناني وتماسكه وهو ما أعطاه صلابة في مواجهة المخطط الإسرائيلي الأمريكي، هذا الموقف الموحد المتماسك حول برنامج السبع نقاط هو الذي أدى الى تعديل قرار مجلس الأمن الأول الذي كان سيمنح إسرائيل بالسياسة المكاسب التي عجزت عن تحقيقها بالحرب·
وإذا كانت المدافع قد سكتت والحرب قد توقفت فان تداعياتها سواء في الجانب الإسرائيلي أو في الجانب اللبناني والعربي ستبدأ بالظهور، وقد لايكون هنالك شرق أوسط جديد كما تريده كونداليزا رايس لكن قد لا يبقى كما كان قبل حرب إسرائيل على لبنان·
وفي عرض الآراء حول الحرب وأسبابها كتبت الهيرالدتربيون في افتتاحيتها يوم الاثنين الماضي "هذه الحرب القبيحة التي ما كان لها من ضرورة ليس فيها رابح والخاسرون كثر·· يستطيع حزب الله أن يتباهى بصموده أربعة أسابيع في وجه قوة إسرائيل لكنه لا يستطيع أن يخفي خسائره، وتكبدت إسرائيل قتلى مدنيين وعسكريين وأججت مشاعر العالم الإسلامي من دون أن تنجح في تدمير حزب الله أو ترسانة صواريخه·"
أما بيتر بومونت رئيس تحرير الشؤون الخارجية في جريدة الأوبزيرفر البريطانية فيقول "لقد تقلصت إسرائيل بشكل خطير، فعلى المستوى العسكري ووجهت للمرة الثانية بمقاومة ناجحة من حزب الله·· اخترقت فيها صواريخه دبابات ميركافا ثقيلة التسليح، ولكن الأكثر خطورة هو تعرضها لضرب الصواريخ رغم تزويد أمريكا لها ببطاريات مضادة للصواريخ·"
ويضيف بومونت: لقد فقدت إسرائيل أقوى أسلحتها ألا وهو الشعور النفسي بحصانتها العسكرية غير القابلة للاختراق·
ويتفق المراقبون على أن إسرائيل أعطيت وقتا أكثر من الذي طلبته لتحقيق أهدافها التي أعلنت عنها منذ البداية، اسبوعاً أو أسبوعين، لتدمر حزب الله وقدراته القتالية بواسطة القصف الجوي إلا أنها بعد أكثر من أربعة أسابيع استمرت في مواجهة مقاومة قتالية شرسة حدت من تقدمها على الأرض·
الكاتب سيمون هيرش الذي سبق أن كشف فضائح الجنود الأمريكيين في أبوغريب، فجر قنبلة سياسية في مقالته في مجلة نيويوركر مع بداية إيقاف العمليات القتالية، كاشفا عن الاتفاق المسبق بين إسرائيل والولايات المتحدة في التخطيط لهذه الحرب·
وقال هيرش أن مصادره من المسؤولين الدبلوماسيين وفي أجهزة المخابرات أبلغوه بأن الرئيس بوش ونائبه تشيني كانا مشتركين في تخطيط إسرائيل للقيام بهجوم رادع بالاعتماد على القصف الجوي العنيف لمواقع حزب الله وتدمير قدراته القتالية مما قد يبدد القلق الأمني لإسرائيل، ويكون تجربة يمكن القيام بها ضد إيران لتدمير منشآتها النووية·
وينقل هيرش عن مسؤول سابق في المخابرات الأمريكية قال له "إن السؤال الكبير الذي يواجه قواتنا الجوية هو كيف نضرب بنجاح مجموعة من الأهداف في إيران؟"
وأضاف هيرش نقلاً عن خبراء في الشرق الأوسط من ذوي المعرفة بتفكير كل من الحكومة الأمريكية والإسرائيلية "أن إسرائيل قد أعدت خطة للهجوم على حزب الله وبحثتها مع الحكومة الأمريكية قبل اختطاف الحزب للجنديين الإسرائيليين في 12 يوليو الماضي·· وهذا (الكلام لهيرش) لا يعني أن حزب الله استدرج الى مصيدة، لكن كان هناك شعور في البيت الأبيض بان إسرائيل ستنفذ الهجوم عاجلاً أم آجلاً·"
وهذا ما يفسر موقف الحكومة الأمريكية في المماطلة ومعارضتها وقف إطلاق النار كي تمنح إسرائيل الفرصة والوقت الكافي لتحقيق أهدافهما، وهو الموقف الذي خطأه معظم ساسة العالم وصحافته·
الهيرالدتربيون من جانبها قالت "إذا كان من الجائز وقوف أمريكا الى جانب إسرائيل إلا انه كان من الخطأ رفضها (أمريكا) إيقاف إطلاق النار والدخول في الطريق الدبلوماسي··
وهو ما سوف يزيد من مشاكل أمريكا في المنطقة تعقيدا؟ أما الإيكونوميست فقالت إنه كان على أمريكا أن تدعو الى إيقاف القتال مبكراً·