| عندما حدث انقلاب 17 تموز عام 1968 كنا هاربين خارج العراق وطرح الانقلابيون شعارات الانفتاح والحرية وبعد توجيه السلطة نداء الى كل المفصولين من وظائفهم وأعمالهم لأسباب سياسية للحضور الى القصر الجمهوري في بغداد بقصد إعادتهم الى أعمالهم عدنا من خارج العراق وحضر مع الآلاف غيري ذلك اللقاء وكان يقف على شرفة القصر الجمهوري الرئيس أحمد حسن البكر وحردان التكريتي وصالح مهدي عماش وسعدون غيدان وعدد آخر من قادة الانقلاب وألقى البكر كلمة لم يتطرق الى قضيتنا التي حضرنا من أجلها ولا الوعد الذي أعلنته السلطة بإعادة المفصولين السياسيين الى وظائفهم واحتساب مدة فصلهم خدمة مستمرة لأغراض الترفيع "الترقية" والتقاعد فأخذنا نصرخ: "والمفصولين·· والمفصولين السياسيين··" وفي أثناء صراخنا توقف البكر عن الكلام وعاد ليقول: "سوف نسحب البساط من تحت أقدام المستغلين ولن يبقى جائع في العراق!!"·
ثم أعادت السلطة العدد القليل من المفصولين وأعطت قدرا محدودا من الحرية وانفتاحا نسبيا لكنه انفتاح تتخلله عمليات اغتيال واختطاف واعتقال وملاحقة ومراقبة وإحصاء ورصد معلومات أمنية واستخباراتية والاحتفاظ بها في دهاليز أجهزتها·
وبعد أن سيطر الانقلابيون تماما على كامل السلطة واطمأنوا لثبات كراسيهم بدأت مصادرة ذلك القدر من الحرية وإغلاق ذلك الانفتاح وبدأت الحملات الدموية والتشرد والهروب من جديد الى خارج العراق وزاد المستغلون "بكسر الغين" استغلالا وزاد الجائعون جوعا وانسحاقا·
ولبناء العراق الجديد تطرح الآن أطروحتان: "الإصلاح أو البناء الجديد بعد تحطيم القديم، وتواجه أطروحة الإصلاح الرفض والاعتراض لأنها كلمة حق يراد بها باطل إذ لا يمكن إصلاح نهج النظام السابق ومؤسساته وأجهزته فهو نظام فاسد وما أنتجه تعبير جوهري ومظهري عن فساده وتدميره، إذن البناء من جديد بعد تحطيم القديم وقلعه من الجذور وهذه مهمة ليست سهلة وإمكاناتها وقدراتها وفعالياتها قليلة وضعيفة وخصوصا المادية منها لكن البشرية مقبولة وهي تتعزز باستمرار وستتكامل بعد عودة أكثر من أربعة ملايين عراقي الى بلادهم وفيهم القدر الكبير من الكفاءات العلمية والإنسانية المبدعة·
وقد عايشنا وبالتجربة أن كل الانقلابات التي حدثت كانت تبقي على الأجهزة القديمة والنهج القديم لتلك العهود التي انقلبت عليها بعد إجراء عمليات تطهير وتجميل سطحية بسيطة مع قدر من الانفتاح النسبي الموقت مع أطنان من الوعود والشعارات الجميلة ثم وبعد أن تسيطر على كامل السلطة وتطمئن الى ثبات كراسيها في الحكم تسارع فورا الى مصادرة ذلك القدر من الانفتاح النسبي وتلحس تلك الجرعة الضئيلة من الحرية لكنها تبقي على الشعارات التي دفعتها الاستهلاك المحلي والخارجي دون تطبيق بل العمل بالعكس منها، إذن الإصلاح غير التغيير الجذري وهو مفهوم عائم ومضلل وموقت القصد منه تسكين المعارضة وامتصاص الغضب وتكريس السلطة·
العراق بين تركة نظام صدام
والحاضر وآفاق المستقبل
وبعد سقوط نظام صدام وجد العراقيون أنفسهم أمام معضلات مزمنة ومشاكل معقدة ومهام كبرى وموروث كارثي لا نظير له سببته حماقات وسياسات النظام البائد وأنتجه النهج الاستبدادي المطلق وفي كل الميادين: الحريات العامة، الديمقراطية، الفيدرالية، الدستور، الانتخابات، الأمن، القضاء، المهجرون والمهاجرون واللاجئون، الخدمات، الإعلام، الثقافة، الاقتصاد··· الى آخره وكان كل ذلك مغيبا في عهد صدام ولا وجود له في قاموس الدكتاتورية ونهجها الدموي·
إذا تلك المسائل لم تكن وليدة العهد الجديد بل هي موروث وتراكم نجم عن أكثر من 35 عاما من الحكم الشمولي، ولكنها ليست غائبة عن شعبنا العراقي وقواه السياسية وفعالياته وكانت حاضرة في نشاط السياسيين المعارضين والعلماء والمفكرين وأصحاب الكفاءات العالية وكانت مدار بحث وصلة حميمة ومستمرة عبر الاجتماعات والمؤتمرات والنشاطات الفردية وكانت تصدر عن ذلك كله مشاريع وبرامج وخطط واقتراحات وحلول تفصيلية متكاملة وتعلن في صحف وإذاعات المعارضة حتى نمت وتبلورت أطروحة "ثقافة المستقبل" فصدرت الكثير من مشاريع الدساتير المستقبلية وكنا نقرأ ونكتب عن الاقتصاد المستقبلي للعراق، السياحة في عراق المستقبل، الجيش المستقبلي، الإعلام وعراق المستقبل، العدالة الانتقالية في عراق المستقيل، البيئة والأهوار في عراق المستقبل، الحكم الذاتي، اللامركزية، التعليم، الفيدرالية بأنواعها حتى غطت "ثقافة المستقبل" جميع نواحي وميادين الحياة العراقية بعد إسقاط نظام صدام·
ولكن وبعد سقوط النظام الذي بدأ بانهيار كامل للدولة واختفاء وزاراتها ودوائرها ومحاكمها وإعلامها وشرطتها ونشأت عشرات الأحزاب والمنظمات الجديدة وصدرت عشرات الصحف وبدأ حراك سياسي واجتماعي وإعلامي لا حدود له ولم يشهد له العراق مثيلا طيلة تاريخه المعاصر فوجد معدو تلك الخطط والمشاريع ومنجزات العلماء الفردية والجماعية ونتائج المؤتمرات التداولية والتخصصية وما تمخض عنها من دراسات متكاملة، وجدوا أن كل ما كتب وقيل قد اصطدم بالواقع العراقي الداخلي الفعلي بسبب كون معظم ذلك التراكم قد تم إنجازه في خارج العراق وبسبب الطبيعة التنظيرية التي تأسست وأنجزت بها تلك الآمال والطموحات وإن الكثير منها يحتوي على محددات إجرائية تطبيقية وكان منجزوها مخلصين وأحراراً وقد بذلوا في سبيلها أحسن ما يمتلكون من كفاءات ومواهب ومع ذلك فإن التنظير شيء والواقع العراقي الفعلي الجديد شيء آخر: قوى جديدة، موازين جديدة، اصطفافات وصراعات وتدخلات وخارطة اجتماعية سياسية جديدة بدأت شرائحها وفئاتها تفعل فعلها المؤثر ووجد العراقيون أنفسهم وبشكل حاد بين موروث النظام السابق والواقع الجديد وكيف ستكون آفاق المستقبل الذي عملوا من أجل أن يكون مستقبلا مشرقا والذين وهبوه كل حياتهم·
الآن يواجه العراقيون مرحلة البناء والإعمار السياسي والاقتصادي والاجتماعي والفكري وقبل هذا وذاك بناء الإنسان العراقي نفسه وإعادة تأهيله بعدما بعث به نظام صدام وأهدر إنسانيته وأنتج له مجموعة من القيم والسلوكيات والعادات والأعراف الفاسدة المدمرة، من أجل عراق حر ومزدهر وموحد·
والآن أيضا يخطئ من يتصور أن هناك أولويات في الشأن العراقي لأن جميع المسائل والمشاكل مترابطة ومتشابكة وممتزجة ولا يمكن إنجاز واحدة وتأجيل أو إلغاء أو إهمال أخرى لأنها جميعا تؤثر الواحدة بالأخرى ويتطلب إنجازها جميعا على الوجه الأكمل والسليم، فالبناء كما هو معروف أصعب من الهدم وبالإمكان تهديم عمارة شاهقة بالديناميت وتسويتها بالأرض خلال ثوان وبكلفة بسيطة لكن بناءها يستغرق وقتا طويلا وكلفة أكبر·
hamid@taleea.com |