| مناقشة المواقف التاريخية للدول أمر مهم في الدول المتحضرة والشعوب الحية حيث مازالت الدراسات والتحاليل تصدر عن فترات زمنية سابقة وحروب مات رجالها·
وبالتالي فإن الحرب العراقية - الإيرانية ستكون مصدرا للدراسة والتحليل وخاصة بعد زوال صنمها ومؤججها وحامي بوابتها وتساقط الضغوط النفسية التي كنا نعيشها بالأمس··
ما أحب أن أثيره في البداية وأعيد قوله هو أهمية الحرص على تصريحات وزرائنا ودقة ما يطرحونه وبالأخص أن صحافيا ناشئا يستطيع هذه الأيام استنطاق وزرائنا بتصريحات كبيرة من خلال مهاتفة تلفونية فيجيبه وهو يقود سيارته حول قضايا تحتاج إلى مراجعة وتروّ·
تقييم الحرب العراقية - الإيرانية والتي صدرت حولها الكتب والدراسات الكثيرة ستكون أكثر دقة الآن بعد أن انكشف مسرح الأحداث وخلفياته باستصدار أمريكا وبريطانيا، بعض الوثائق السرية وبعد انفضاح أبطالها بدءا بصدام وانتهاء بمن أعانه·
وقد نختلف في نتائج الحرب وتحليلاتها اليوم كما كنا مختلفين في تأييدها أو معارضتها بالأمس ومنذ اليوم الأول الذي نشبت فيه، ولعل العودة إلى مانشيتات الصحف الكويتية آنذاك فيها تذكير لمن نسي مواقفه أو تناساها·
إن هناك قواعد للعمل السياسي والإعلامي والدبلوماسي علينا أن نتفق عليها قبل البدء وبالأخص أن المسؤول والممثل للدولة ينبغي عليه الحرص والتأكد من تصريحاته·
فالوزير ليس كالكاتب الصحافي، لأن خطأ الوزير يحسب على الدولة وخطأ الكاتب يعود عليه نفسه، ومن المفارقات أن الغرب وفي تجربة هتلر وبعد انكشاف مخططاته ونواياه لا نجد من يدافع عنه أو يمتدح فكره العسكري·· بينما العرب وبالرغم من سقوط صدام المهين واستسلامه الذليل وانكشاف نواياه المريضة وارتباطاته السقيمة مازال البعض يدافع عنه وعن مغامراته، وهم بذلك يدافعون عن موقفهم الخطأ وتعصبهم الأعمى مع العلم أن الرجوع عن الخطأ فضيلة في كل الأديان وفي كل الملل·
وبالتالي فإنهم يتلقفون ما يصرح به المسؤولون والوزراء في الدول المعنية ويهيئون ملف الدفاع عن صدام ولو بإدانة الدول التي ساعدته، وهذا ما بدأ العمل به بعض المحامين الأردنيين والتونسيين· من هنا فإن الحوار والمناقشة حول هذه القضية مع الأخ د· محمد الصباح وزير الخارجية والأخ الأستاذ عبدالله بشارة ينطلق من الحرص على فهم التطورات التاريخية والمواقف الكويتية بعيدا عن التضخيم غير المبرر أو التهميش غير المجدي·
وأقول للأخ محمد الصباح إنا لسنا بحاجة إلى فهم الآيات القرآنية وتفسيرها كي نفهم أقوالكم وأحاديثكم وأظن أن الدكتور يعي جيدا أن قرار وقف إطلاق النار رقم (598) صدر عام 1986 بعد ست سنوات من بدايتها حين كانت أكوام المساعدات وجبال المعونات قد ملأت الطريق إلى بغداد وزادت أرصدة صدام وأعوانه!
ولا أدري إن كان قولك إن دعم العراق آنذاك كان لحقن الدماء قولا تريد به إقناع أحد، وما عليك إلا مراجعة إعلان الأمم المتحدة الصادر بعد غزو الكويت والذي أدان النظام العراقي وحمّله مسؤولية الحرب!
أما المتابع بامتياز للشأن الإيراني أخي الدكتور وزير الخارجية فيجب أن تكون أنت وفريق العمل معك لأن هذا دورك كرئيس للسياسة الخارجية، وإيران دولة جارة ولها دور فاعل في المنطقة وذلك أفضل من الاستعانة بخبرات وتقارير أجنبية، فالرؤية الكويتية - ونحن نعين ونعاون وقت الضيق كما خبرتنا دائما - مهمة واختلافنا في الرأي لن يفسد للود قضية·
ونحمد الله أن حكمة القياديين كما تقول قد تجاوزنا الكثير من مرحلة تلك الحرب وإفرازاتها المعروفة للجميع وقطعنا أشواطا متقدمة من التفاهم والتنسيق المشترك··
وأحمد الله أن سقوط الطاغية صدام كان في عهدك كوزير للخارجية فهو فأل حسن ·· أما العودة إلى شريط تطورات الحرب العراقية - الإيرانية كما يدعونا الأخ الأستاذ عبدالله بشارة فهو أمر جيد لدراسة مرحلة تاريخية صعبة ومهمة في تاريخ منطقة الخليج·
وأذكره أن مجلس الأمن الذي أصدر القرار رقم (540) مطالب بوقف الحرب من دون الدعوة إلى تحميل العراق مسؤوليتها أو الإشارة إلى الانسحاب إلى الحدود الدولية (!) هو نفسه الذي أصدر قرار إدانته آخر المطاف·
وأظن أن الأستاذ بشارة الذي أبدى اندهاشه من اللامبالاة التي اعترت تعامل مجلس الأمن مع تلك الحرب يعي جيدا أسباب ذلك وتوقعاتهم الأولى وخاصة من خلال خبرته السياسية وتعامله الدبلوماسي·
ومن الطريف أن الأستاذ بشارة قد حمّل العراق وإيران ذلك “الخطأ التاريخي” بينما برأ دول الخليج من أي ذنب فيها وهو بذلك يخالف تصريحات الكثير من المسؤولين الخليجيين الذين أدانوا صدام سواء بعد غزوه للكويت أو الذين أدانوه بالجملة بعد سقوطه المهين، بالإضافة إلى الغربيين الذين أدانوا حربه وأقول مازلنا نحتاج في دراساتنا الاستراتيجية للبحث عن هذا “الخطأ التاريخي” وقد نكتشف في أثناء محاكمة صدام سواء من قبل الأمريكان أو العراقيين أو الإيرانيين أو الكويتيين·· لنتجنب الوقوع فيه مستقبلا لا سمح الله، وستظل هذه الفترة من تاريخنا بحاجة إلى دراسات مكثفة وعلينا ألا نمل من البحث والمتابعة وإن اختلفنا في التحليل والرؤية والاستنتاج· |