| "بدلا من أن تلعن الظلام، أشعل شمعة" وبدلا من أن تلعن الجليد، اعمل لإذابته وإذا كانت مسرحية "ذوبان الجليد" وهي تعرض على خشبة المسرح تسعى من خلال مضامينها الفكرية والجمالية وحبكتها الدرامية إلى إذابة الجليد من خلال العمل المسرحي التمثيلي والذي ظنه البعض مجرّد "تمثيل في تمثيل"! فإن عروضها الواقعية التطبيقية تعرض هناك في داخل العراق من خلال المساعدات الكويتية في شتى الميادين الإنسانية باستمرار ودون انقطاع وستستمر حتى يستعيد العراق عافيته ويقف على أقدامه ويزيح عن كاهله تلك التركة الثقيلة المثقلة بالفظائع والكوارث الرهيبة ومامهمة مسرحية ذوبان الجليد إلا تأصيل وترسيخ وتوثيق تلك المساعدات وذلك الدعم الذي لولاه لما تم إسقاط نظام صدام والذي بدأته الكويت قبل وأثناء وبعد إسقاط النظام ومازال مستمرا ويتصاعد باستمرار والمسرح هو أخطر وأهم عمل فني يساهم في إنعاش هذا الاتجاه وبلورة لهذا النهج وتنميته وتنقيته والكشف عن جوهر مكنوناته وما يكتنزه من رؤى وإشراقات مستقبلية تحقق تطلعات البلدين الكويت والعراق نحو علاقات ثابتة تطرزها المحبة والاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية واحترام وتنفيذ جميع قرارات الشرعية الدولية، علاقات قائمة على المصالح المشتركة والمتكافئة ولذلك فإن مسرحية ذوبان الجليد ليست مجرّد مشاهد مسرحية حدودها خشبة المسرح وقاعة العرض تبدأ عند فتح الستارة وتنتهي عند إسدالها بل هي ذات وقائع وتطبيقات واقعية عملية ملموسة كان آخرها وليس ختامها أن بادرت دولة الكويت إلى إضاءة ظلام البصرة الأزلي بثمانية مولدات كهربائية عملاقة·
التبرعات الشمولية·· مرحلة جديدة
تم تسليمها بإشراف مركز العمليات الإنسانية الكويتي بقيادة الفريق المتقاعد علي المؤمن والذي صرّح للصحافيين: "إننا الآن ندشن مرحلة جديدة من تقديم المساعدات للأشقاء في العراق وهي التبرعات الشمولية التي تخدم عددا كبيرا من المواطنين العراقيين"·
ولم تتوقف "ذوبان الجليد" في الكويت بل ذهبت إلى القاهرة لتقدم عروضها هناك وذلك لثقة القائمين عليها بنجاحها وكرسالة إلى الأشقاء العرب تحمل الكثير من الدلالات والآفات ونتمنى أن تقدم عروضها في العراق قريبا·
"ذوبان الجليد" عمل كبير ساهم وسيساهم في إشاعة أجواء الثقة والتآخي وفي إزالة ما علق بين البلدين بسبب جريمة الغزو الغاشم باتجاه إنجاز التطبيع بين البلدين وعودة العلاقات إلى طبيعتها واللذين كانا ضحية نظام صدام الإرهابي الذي حاول دون جدوى زرع الكراهية والضغائن والأحقاد لكنه فشل واندثر إلى الأبد في مزبلة التاريخ·
ذوبان الجليد في الجامعة العربية
ومن الواقع والمعالم والإنجازات المتلاحقة لذوبان الجليد بين البلدين الجهود الكبيرة التي بذلتها دولة الكويت ممثلة بوزير خارجيتها الشيخ الدكتور محمد الصباح وإصرارها على ضرورة احتلال العراق لمقعده في الاجتماع الوزاري بشخص وزير خارجيته هو شييارزيباري وقد نجحت تلك الجهود وتمكن الوفد العراقي من إشغال مقعده في الاجتماع مما فتح الطريق أمام الحكومة العراقية للمشاركة في المؤتمرات والهيئات والمنظمات العربية والدولية·
وفي هذا الإطار زار الكويت وزير التجارة والصناعة العراقي الدكتور علي علاوي وصرح بأن الكويت ستحظى باهتمام وسيكون للشركات الكويتية أولوية وأضاف بأن الشركات الكويتية لديها من الإمكانات والخبرة والكفاءة ما يؤهلها للقيام بدور حيوي ومهم في العراق والاستفادة بشكل كبير حيث ستحظى بدعم إضافي على كل المستويات مشيرا إلى أن الإمكانات المتوافرة تدعم الأهداف الرامية إلى التعاون فيما أكد وكيل وزارة التجارة بالإنابة رشيد الطبطبائي عقب استقباله الوزير العراقي: "إنه بعد استقرار المنطقة أمنيا بزوال النظام السابق، نسعى لاتخاذ خطوات جادة بتأهيل المستودعات الجمركية في الشمال لمساعدة القطاع الخاص الكويتي على الدخول في مختلف المجالات مستقبلا وخصوصا في القطاعين الخاص في كل من البلدين"·
من جهة ثانية أعلن وزير التربية وزير التعليم العالي الدكتور رشيد الحمد استعداده للقاء وزير التربية العراقي إذا ما رغب في زيارة الكويت مشيرا إلى أن اللقاء الأول من نوعه سيجمعه معه خلال انعقاد مؤتمر اليونسكو نهاية الشهر الجاري في باريس لمناقشة عدد من القضايا التربوية وعلى رأسها قضية المناهج العراقية·
المستقبل المشرق
وهكذا يُذاب الجليد بين البلدين من خلال بناء وترسيخ أسس الثقة والتعاون المشترك في جميع المجالات من أجل إنجاز التطبيع وإنهاء تلك القطيعة المريرة التي سبّبها صدام ونظامه بغزوه الغاشم لدولة الكويت·
نحن متفائلون جدا بهذه المسيرة، مسيرة الخير والمستقبل المشرق حيث كتبت عن ذلك سلسلة من المقالات في صحيفة "الطليعة" ثم جمعتها وأصدرتها في كتيب تحت عنوان: العراق الجديد ودولة الكويت على طريق المستقبل المشرق عام 1997 وهي رؤية مستقبلية رحب فيها الكثير من الناس واعتبرها رؤية واقعية بناء على أن نظام صدام سيسقط يوما وحينها لابد أن تعود العلاقات وتكون مشرقة فعلا، لكن البعض وجد فيها رؤية مبكرة جدا واعتبرها آخرون نتاج خيال مجنّح وزوغان فكري وقضية لا يمكن أن تتحقق!!
لكنني كنت أجادل بأن ذلك سيتحقق وأن الحياة وحركتها المطلقة والصراعات والتفاعلات والمعطيات التي تفرزها كنتائج لتلك الحركة كفيلة بحل أعظم المشكلات وأكبر المعضلات·
وها نحن اليوم نشهد ما توقعناه واستشرفناه من آفاق وأيام سعيدة حقا سقط فيها نظام صدام وها هي العلاقات تبنى من جديد بين بلدينا على أسس السلام والإخاء والازدهار عندما بدأ الجليد يذوب وبسرعة خارقة فاقت توقعات أعداء البلدين من العملاء والمرتزقة والمشككين والمترددين والعابثين والمتصيدين في الماء العكر والمتآمرين وأيتام العهد البائد والهامزين واللامزين وتجار الحروب ومشعلي الفتن والكوارث والدساسين والمنافقين والانتهازيين والمفلسين سياسيا وفكريا والساقطين أخلاقيا والذين لا ضمير لهم وغيرهم ومن لف لفهم ممن لا تسعدهم عودة العلاقة بين البلدين لكنهم فشلوا وسيفشلون في المستقبل أيضا·
hamid@taleea.com |