رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 4 ربيع الأول 1426هـ - 13 أبريل 2005
العدد 1673

العراق: ما أشبه الليلة بالبارحة!!
د. محمد حسين اليوسفي
alyusefi@taleea.com

حزم أعضاء الجمعية الوطنية أمرهم في الثاني من الشهر الجاري وانتخبوا رئيسا سنيا لمجلسهم وهو حاجم الحسني بعد أن لاقى ترشيح مشعان الجبوري رفضا قاطعا من قائمة الائتلاف العراقي ذي الغالبية الشيعية· والحسني ينتمي الى الحزب الإسلامي - الإخوان المسلمين بزعامة محسن عبدالحميد - وشغل منصب وزير الصناعة في الحكومة المؤقتة، ونزل الانتخابات ضمن قائمة الرئيس غازي الياور· وقد جاء اختياره بعد أن نفد صبر الشارع العراقي من تلكؤ العملية السياسية وسط جو من المقايضات الصعبة بين القوى الفاعلة ومحاولات دؤوبة من قائمة الائتلاف الشيعية لجر السنة العرب للمشاركة في إرساء النظام الجديد·

والحق أن نزعة نحو التفكير العملي والواقعي أخذت تسود بين العرب السنة رويدا رويدا منذ نجاح الانتخابات في الثلاثين من يناير الفائت، كما تتلمسها صحيفة الفايننشال تايمز اللندنية (2/4)· فقد أصبح عزوفهم عن المشاركة في العملية السياسية يعني فقدانهم مواقع مهمة في مفاصل الدولة العراقية الجديدة الآخذة بالتشكل، وهو خطأ أصبحوا لا يريدون الوقوع فيه كما وقع به إخوانهم العرب الشيعة في بداية تأسيس الدولة العراقية في أوائل العشرينات من القرن الماضي· ولعل أبرز مظهر لهذا التحول هو تلك الفتوى الصادرة من 46 عالما سنيا منتشرين في كل أرجاء العراق تجيز الالتحاق بقوات الأمن من جيش وشرطة وحرس وطني· وحسب جريدة الحياة (4/4) فإن هذا الموقف يعكس تباينا في وجهات النظر تبلور أخيرا في صفوف "هيئة علماء المسلمين" بين تيار واقعي يميل الى تبني رأي الحزب الإسلامي، وأوضح من يمثله الشيخ أحمد عبدالغفور السامرائي، إمام مسجد أم القرى، وبين تيار متشدد يمثله الشيخ حارث الضاري·

غير أن هذا الإشكال ليس مبعثه محاولة الشيعة خطب ود السنة وجذبهم للعملية السياسية وتمنع هؤلاء أو انفتاح شهية الأكراد فحسب، بل إن قانون إدارة الدولة في المرحلة الانتقالية مسؤول أيضا· فهو يشترط لرئاسة الجمعية الوطنية الحصول على ثلثي أصوات أعضائه· ومنصب الرئيس هذا مهم لأنه هو الذي يدعو الى تشكيل الحكومة· والحكمة واضحة من هذا التشريع وهو عدم استئثار أي مكون من مكونات الشعب العراقي واستفراده بالعملية السياسية· ومع ذلك، فلم يدر بخلد مشرعي هذا القانون أنه سيمثل عقبة حينما يوضع موضع التطبيق، على حد قول أحدهم وهو الدكتور فيصل الأستر أبادي، أستاذ القانون في كلية الحقوق بجامعة دي بول سابقا، ونائب مندوب العراق للأمم المتحدة حاليا لصحيفة النيويورك تايمز (3/4)·

ويبدو أن الطبقة السياسية العراقية الجديدة قد أدركت صعوبة وضع اللبنات الأولى للنظام الجديد القائمة على التعددية والتمثيل الشعبي الحقيقي· فتركيبة المجتمع العراقي وتشكله من أديان وطوائف وقوميات تجعل الوصول الى توازنات مقبولة أمرا ليس باليسر إنجازه· ولعل هذه الإشكالية نفسها قد واجهها الملك فيصل بن الحسين حينما أراد إرساء الدولة العراقية الحديثة، التي قامت على أشلاء الحكم العثماني والذي امتد لقرون أربعة· ويحسن بنا العودة الى تلك المذكرة المشهورة التي كتبها الملك فيصل في 15 مارس 1933 أي بعد اثنتي عشرة سنة من توليه مقاليد حكم العراق· وتلك المذكرة السرية نشرها المؤرخ العراقي عبدالرزاق الحسني في كتابه الموسوعي: "تاريخ الوزارات العراقية" الصادر في العام 1939 ثم أعاد نشره في مقدمة كتابه: "تاريخ العراق السياسي الحديث" الذي نشره في العام 1948 والذي نمتلك نسخة أصلية منه· على أنه لا بد من الإشارة في هذا الصدد الى أن الملك يستخدم في مذكرته تلك تعبيرات قوية نوردها كما هي مطمئنين الى أن "ناقل الكفر ليس بكافر"!!

يشخص الملك فيصل علل العراق بثلاث كما يقول اختصارا:

1 - "إن البلاد العراقية هي من جملة البلدان التي ينقصها أهم عنصر من عناصر الحياة الاجتماعية، ذلك هو الوحدة الفكرية والملية والدينية، فهي والحالة هذه مبعثرة القوى، مقسمة على بعضها يحتاج ساستها أن يكونوا حماء مدبرين، وفي عين الوقت أقوياء مادة ومعنى"·

2 - "في العراق أفكار ومنازع متباينة جدا وتنقسم الى: الشبان المجددين بما فيهم رجال الحكومة، المتعصبون، السنة، الشيعة، الأكراد، الأقليات غير المسلمة، العشائر، الشيوخ، السواد الأعظم الجاهل، المستعد لقبول كل فكرة سيئة بدون مناقشة أو محاكمة"·

3 - "العراق مملكة تحكمها حكومة عربية سنية، مؤسسة على أنقاض الحكم العثماني، وهذه الحكومة تحكم قسما كرديا أكثريته جاهلة (هكذا بالنص) بينه أشخاص ذوو مطامع شخصية يسوقونه للتخلي منها، بدعوى أنها ليست من عنصرهم· وأكثرية شيعية جاهلة (هكذا بالنص) منتسبة عنصريا الى الحكومة نفسها، إلا أن الاضطهادات التي كانت تلحقهم من جراء الحكم التركي الذي لم يمنهم من الاشتراك في الحكم، وعدم التمرد عليه، والذي فتح خندقا عميقا بين الشعب العربي المنقسم الى هذين المذهبين، كل ذلك جعل مع الأسف هذه الأكثرية، أو الأشخاص الذين لهم مطامع، خاصة الدينيين منهم، وطلاب الوظائف من دون استحقاق، والذين لم يستفيدوا ماديا من الحكم الجديد، يظهرون بأنهم لم يزالوا مضطهدين لكونهم شيعة، ويشوقون هذه الأكثرية للتخلي عن الحكم"· ومن جملة ما كان يردده هؤلاء، كما يورده الملك فيصل قولهم: "إن الضرائب على الشيعي، والموت على الشيعي، والمناصب للسني· ما الذي هو للشيعي؟ حتى أيامه الدينية لا اعتبار لها"!!

وينتهي الملك فيصل في رصده للواقع العراقي قبل أكثر من سبعين سنة الى رسم صورة مظلمة له: "وفي هذا الصدد أقول وقلبي ملآن أسى، إنه في اعتقادي لا يوجد في العراق شعب عراقي بعد، بل توجد تكتلات بشرية خيالية، خالية من أي فكرة وطنية، متشبعة بتقاليد وأباطيل دينية لا تجمع بينهم جامعة، سماعون للسوء، ميالون للفوضى، مستعدون دائما للانقضاض على أي حكومة كانت"·

بيد أن الملك فيصل لم يضع تلك المذكرة السرية التي لم يرد أن يطلع عليها "إلا نفر قليل ممن يعلمون وجائبهم ومسؤولياتهم" إلا سعيا للإصلاح الذي يراه في خطوات متعددة لعل من أبرزها إنشاء جيش وطني· وهذا الجيش لم يرد له الملك فيصل أن يكون للدفاع عن الأخطار الخارجية في وقته والبلاد تحت الاحتلال البريطاني، بل لحفظ الأمن الداخلي الى أن تتمكن البلاد من الوقوف لوحدها "بعد أن تتخلى إنكلترا عن مسؤوليتها"· ومنها احترام الشعائر الدينية عند الشيعة وجذب مراجعها للارتباط بالدولة وتعمير العتبات المقدسة· ثم توزيع خدمات الدولة العراقية على جميع سكانها "والاشتراك في خيرها وشرها مع أهل بغداد والموصل، بصورة متساوية، وتزول تهمة الحكومة السنية أو العربية كما يقول أصحاب الأغراض من أكراد وشيعة" (هكذا بالنص)· ويتوصل فيصل الى نوع من النظام الفيدرالي: "أقول بتحفظ إنه إذا أمكن إعطاء صلاحيات للألوية شبيهة بمجالس الولايات في العهد العثماني، فسيكون ذلك من جملة أسباب تشويق سكان الألوية للاشتراك بالحكم"· ويتحدث عن نظام "تفريق السلطة التشريعية عن السلطة الإجرائية"·

وينهي الملك فيصل مذكرته بتبرمه الشديد من استشراء الفساد وصرف أموال الدولة يمنة ويسرة، ويختم كلامه بأمنيات، لعلها تكون عبرة لأصحاب العهد الجديد فيقول: "وإني أحب أن أرى معملا لنسج القطن بدلا من دار حكومة، وأود أن أرى معملا للزجاج بدلا من قصر ملكي"!!

alyusefi@taleea.com

�����
   

الجاهلي الحق.. والواضح!:
أحمد حسين
أحداث عالمية:
د.عبدالمحسن يوسف جمال
الرسم بالكلمات:
سعاد المعجل
هنيئا للحكومة الإصلاحية!:
محمد بو شهري
نصف ما تريد أن تقول!:
فهد راشد المطيري
الترقية بالأقدمية:
أ.د. إسماعيل صبري عبدالله
الديمقراطية وحمايتها:
عامر ذياب التميمي
الشق عود:
مسعود راشد العميري
مستقبل القدس:
عبدالله عيسى الموسوي
مناورة رائعة:
ناصر بدر العيدان
"محطات استراحة":
علي غلوم محمد
خمسون عاما من النضال ضد الاستعمار:
موسى داؤود
مبادرة طيبة ولكن:
عبدالحميد علي
العراق: ما أشبه الليلة بالبارحة!!:
د. محمد حسين اليوسفي
كتلة طرح الثقة.. قواكم الله:
عبدالخالق ملا جمعة