| عندما تسافر إلى خارج الكويت وتُعرِّف بجنسيتك فإن أول انطباع يبادرونك به بأنك من بلد الأثرياء وأنك أحد هؤلاء الأثرياء وأنك تنام على سرير من ذهب وتأكل على طبق من ألماس وأن في غرفة نومك مسبحا أولمبيا وأن عدد سيارات النزهة يفوق عدد سيارات مكتب لتأجير السيارات في إيران وأن لديك خمسة سائقين من الهند وعشرة خدم من الفلبين وأن ساعتك الألماس مستوردة خصيصا لك من جزر الكايمان، وأن شاليهك الصيفي في جزر الكناري، و شاليهك الشتوي في جزر سيشل، وأنك تذهب في الربيع لصيد الغزلان في الجزائر، ولصيد السمك في عمان خريفا، وبعد أن ينتهي الطرف الآخر من خيالاته الواسعة تقف قليلا في لحظة صمت ثم تنفجر باكيا دون صوت، ودون دموع ودون أن يحس ذاك الشخص بما يحدث داخلك، ثم تنصرف عنه ولسان حالك يردد مرارا "الاسم عالي والبطن خالي" وأنت تضرب كفا بكف·
صديقي بو محمد لم يركب الطائرة منذ أكثر من 10 سنوات ولم يغير سيارته منذة مدة مماثلة ولم يصطحب زوجته لعشاء في مطعم منذ ما قبل الغزو، ويبلغ مجموع رواتب بو محمد و زوجته ما يزيد على 1600 دينار وهو مدخول عال لشخص يعيش خارج الكويت وبواسطته يمكن للشخص تحقيق معظم أحلامه إن لم تكن كلها أما في الكويت فالوضع مختلف إذ يذهب معظم مدخول الأزواج لتسديد الالتزامات اليومية في الحياة، ومن أشقِّها بيت العمر فهناك نسبه عالية من الكويتيين يعيشون أجمل سنوات حياتهم وهي الفترة ما بين 27 و 40 سنة كموظفي سُخرة يعملون على فترتين صباحية ومسائية ليسددوا لتجار العقار ثمن الأرض التي اشتروها، وهذا أمر لم يعاني منه أباؤنا وأجدادنا ولكن في العصر الحالي هو أمر أشبه بالموت فهو مقدر على الجميع عدا الفئة القليلة جدا من العوائل فاحشة الثراء· بو محمد نموذج حقيقي لمعظم الكويتيين الذين أفرزتهم فترة الإنكسار الاقتصادي للطبقة المتوسطة وهي الفترة الممتدة من أواخر السبعينات إلى يومنا هذا وهي تلك الفترة التي واكبت جرائم احتكار الأراضي وتجميد الأراضي الفضاء وأسباب أخرى تلاشت على إثرها الطبقة المتوسطة الثراء·
بو محمد ومثله بو أنور وبو متعب وبوحسين يعانون مثلما يعاني معظم الكويتيين من هذه الأزمه الجاثمة على قلوبهم، إلا أنك في كل مرة تشاهدهم تراهم وهم في أبهى صورهم فهم في قمة أناقتهم ويضعون أطيب العطور وتعلو وجوههم أجمل ابتسامة إلا أنهم يخفون في داخلهم ألم الكويتيين كلهم وحسرتهم على ما مضى من عز حينما كانوا أطفالا في بيوت أبائهم الواسعة يلهون في رخاء ما بعده رخاء إلى أن جاء هذا الزمن، فتحولوا فيه من أبناء عز إلى أعزاء قوم ذلوا و عندما أسأل أحدهم عن سر ابتسامته المشرقة فإنه يهمس لي بكلمات يعبر عنها المثل الكويتي القديم "لا يغرك شراعه تراه سماري" أعتقد أن مقاييس الفقر تختلف من دولة إلى أخرى وبناء عليه فالكويت بلد أغنى الفقراء وأفقر الأغنياء·
تساؤلات
لماذا يبحث الكويتي صاحب الشهادات الجامعية عن أعمال إضافيه في الفترة المسائية بالإضافة إلى عمله الأساسي صباحا؟ بل إن هناك مجموعة أخرى من السيدات اللواتي يعملن أيضا على فترتين وفي مكانين مختلفين، لماذا؟! لماذا تحول معظم الكويتيين إلى تجار ولو كان ذلك بالاستثمار في خباز إيراني؟ لماذا كثرت قضايا الشيكات من دون رصيد والاختلاس والسرقة والفساد الإداري والرشوة؟ لماذا يعيش الزوج الكويتي مدة لا تقل عن عشر سنوات في شقة مستأجرة أو لدى أقاربه ؟ أين الرخاء الكويتي؟
خاتمة
عدد الكويتيين 800 ألف كويتي و إيرادات النفط الشهرية 850 مليون دينار والمعنى في "كرش" الشاعر· |