رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 13 رمضان 1424هـ - 8 نوفمبر2003
العدد 1602

متى يتحوّل العراقيون من العقيدة الانتقالية إلى العقيدة الدستورية
حميد المالكي
hamid@taleea.com

منذ الثلاثينات من القرن الماضي بدأت تنمو وتترعرع العقيدة الانقلابية في الفكر العسكري والسياسي العراقي، في المستوى الرسمي وفي المستوى الشعبي حيث ولدت أولا في صفوف العسكر الذين وجدوا أن أسهل وأسرع طريقة للسلطة هي الانقلاب الذي يعتمد نجاحه بمجرّد احتلال الإذاعة وإذاعة البيان الأول·

ولذلك كانت جميع الجهات الانقلابية وعلى اختلاف مسمياتها واتجاهاتها ودوافعها تضع أولا في مرمى أول أهدافها مبنى الإذاعة في منطقة الصالحية ومرسلاتها في منطقة أبو غريب ببغداد ولذلك شهد العراقيون كيف كان الانقلابيون أول ما يتجهون إلى الإذاعة لكن السلطات الحاكمة تنبهت فيما بعد إلى هذه الثغرة فأنشأت إذاعات أسمتها "الإذاعات اللاسلكية" يتم استخدامها في حالة استيلاء الانقلابيين على استوديوهات ومرسلات الإذاعة·

وفي دوامة الصراعات العراقية - العراقية ترسخت وتعززت النزعة الانقلابية لأنها أقصر الطرق وأيسرها وأقلها كلفة للقفز على السلطة وإذاعة البيان الأول - البيان رقم واحد - إذ إنها لا تنتظر نضوج الظروف والعوامل الذاتية والموضوعية والتي لا يؤمن بها العسكريون، أما السياسيون فهم يؤمنون بها لكنهم يخرقونها عندما تتيسر إمكانية الانقلاب باحتلال الإذاعة أو يتصل بهم العسكريون الانقلابيون ويطلبون الانضمام إلى انقلابهم أو العكس وحتى لا تفوتهم الحصة من الكعكة السلطوية وامتيازاتها وأجوائها الرومانسية الباذخة فإنهم سرعان ما ينضمون إلى مدبري الانقلاب·

وهكذا عاش العراق ومنذ الثلاثينات وشهد المئات من المحاولات الانقلابية الناجحة والفاشلة والتي استمرت حتى سقوط نظام صدام في التاسع من نيسان (أبريل) الماضي·

انقلاب يلد انقلابا وتتلو كل انقلاب مجزرة ثم فترة انفتاح نسبي من الحريات من أجل أن يثبت الانقلابيون أنفسهم على كراسي السلطة ثم انقلاب فمجزرة وهكذا استمرت تلك الطاحونة الدموية الانقلابية التي طحنت المواطنين بالملايين وأهدرت الموارد خصوصا أثناء وبعد الحروب والغزوات المدمّرة خصوصا والقمع والإرهاب والرعب الشامل الذي مارسه النظام الصدامي·

وهكذا كان العراق وشعب العراق منذ الثلاثينات ضحية عسكرية وسياسية لانقلاب المغامرين، فالعسكريون يقلبون الحكم ببيانات ووعود مزيفة سرعان ما ينقلبون عليها ويتبرؤون منها والسياسيون يبدؤون صراعات مريرة تهيئ الأجواء وتشحنها باتجاه انقلاب جديد وهكذا·

أما الآن فهناك واقع جديد في العراق إذ اختفت المؤسسة العسكرية العراقية تلك المؤسسة التي كانت اليد الضاربة والتي استخدمها السياسيون واستغلوها أبشع استغلال بما يحقق أهداف كل حزب وكل حركة وكل سياسي وكل دكتاتور مغامر يجنح بخياله المريض ويزوغ فكره وتنحرف بوصلته باتجاه كرسي السلطة والتحكم والثراء الفاحش·

في العراق الراهن لا توجد مؤسسة عسكرية إنما مجاميع من الشرطة العراقية وبذلك اختفت اليد الانقلابية الضاربة للسياسيين·

وفي اعتقادي فإن الأحزاب العراقية التي بلغ مجموعها لحد هذه اللحظة 161 حزبا إضافة إلى عدد هائل من السياسيين والعسكريين المستقلين أو المستقيلين أو المتقاعدين وبوجود المؤسسة العسكرية الأخطبوطية، وكما كانت قبل التاسع من نيسان "أبريل" الماضي من حيث  الضخامة والتسلح والخبرات الانقلابية والقتالية فإن العراق كان سيشهد انقلابا عسكريا كل أسبوع·

إذن حل الجيش كان لمصلحة العراق والعراقيين لأنه أولا جنبهم الانقلابات العسكرية وثانيا ترك المجال واسعا أمام السياسيين ليؤسسوا ثقافة الحوار السلمي واحترام الرأي والرأي الآخر بأسلوب يخلو من استخدام الدبابة والمدفع والطائرة، وهم إن اختلفوا فلن يجدوا العسكر ليقوموا بانقلاب لصالحهم، وثالثا وفر أموالاً خيالية وأرقاماً ملكية كانت تمتصها وتهدرها المؤسسة العسكرية الاستهلاكية ورابعا أطلق سراح الملايين من المواطنين الذين كانوا يخدمون قسرا في الجيش والآن يمكن إنشاء جيش صغير ذي عقيدة دفاعية مستقلة لاعقيدة سياسية انقلابية تنحاز لهذا الحزب أو ذاك هدفها تأمين حدود العراق والمساهمة في برامج إعادة البناء والإعمار وعلى استعداد لمكافحة الكوارث الطبيعية كالفيضانات والحرائق وغيرها، وجهاز للشرطة مهمته حفظ الأمن الداخلي وسلامة الحياة العامة واستقرارها واحترام حقوق المواطنين والحياة الدستورية·

التحول من العقيدة الانقلابية إلى العقيدة الدستورية يستغرق وقتا طويلا ويتطلب مايلي:

1 - إشاعة ثقافة الحوار السلمي والاختلاف الودي والاستفادة من خبرات البلدان التي أصبحت لديها تلك الثقافة نوعا من العرف الاجتماعي والثقافي وترسخت لديها تقاليد ثابتة ومواثيق شرف رائدة من خلال التدريب والتمرين عبر عقد الندوات والحلقات والطاولات المستديرة والأمسيات والأصبوحات·

2 - إشاعة الثقافة الدستورية وتثبيت أطر ومدارات العمل المؤسسي المنظم بعيدا عن الثرثرة والفوضى والاتكالية والكسل وإهدار الجهد والوقت والسعي الجاد لأن تكون جميع أنشطتنا منطلقة من عمل مؤسساتي واضح ومحكوم بطائفة من الأحكام والضوابط تسودها الشفافية والاحترام·

3 - إنشاء شبكة من مراكز البحوث والدراسات الاستراتيجية المتخصصة تشمل جميع أوجه الحياة وميادينها وتفاصيلها التاريخية والتراثية والعلمية والاجتماعية والاقتصادية والإبداعية وإقامة أوثق العلاقات مع نظيراتها في جميع البلدان واستلهام منجزاتها·

4 - الابتعاد عن الثقافة الانطباعية الخالية من الحقائق والوقائع والمعلومات والوثائق والمعتمدة على التزييف والتنميق اللفظي والإنشاء الخادع والإثارة والتضليل·

5 - استغلال هذه الانعطافة التاريخية وإشباعها بمتطلباتها وموجباتها والمحافظة على ديمومتها وتطويرها باتجاه البناء والتنمية البشرية والمادية وتحصينها من الأعداء ومخططاتهم الشريرة وتفجير الطاقات والقدرات والاعتناء بالمعارف العلمية والتكنولوجية والاهتمام بالتثقيف الذاتي كونه أساس الاستقلالية في التفكير والفهم المستقل وكما قال أحد الفلاسفة فإن قيمة كل أمرىء ما يحسنه وهو كلام عجيب وخطير حين يستبعد كل المعايير في تقييم الإنسان ويحصرها في كفاءته وما يحسنه وهو كلام يحض ويحث على العمل المنتج والإبداع والخلق والابتكار النافع·

وهذا يتطلب جهدا خارقا: يقول ابن أبي حاتم: "لا يُستطاع العلم براحة الجسد" وقال إبن المديني: قيل للشعبي: من أين لك هذا العلم كله؟ قال: بنفي الاعتماد "يقصد الاعتماد على الغير" والسير في البلاد وصبر كصبر الجماد وبكور كبكور الغراب"·

 

من "الشرعية الثورية" إلى "الشرعية الدستورية"!

كان نظام صدام قد ركب موجة التحول في العقائد والشرعيات حينما صرّح طارق عزيز - سيئ الذكر - في بداية أول انتخاب للمجلس الوطني أوكما يسميه المواطنون بالاسطبل اللاوطني، قائلا: "الآن تحولنا من الشرعية الثورية إلى الشرعية الدستورية وكانت شرعية نظامه الثورية الحروب المدمّرة والغزوات الإجرامية والمزيد من القمع والإرهاب والمقابر الجماعية والتآمر على الدول العربية ودعم الحروب الطائُفية وشراء الذمم وإفساد الضمائر وإهدار الثروات إلى آخر السلسلة الجهنمية·

أما شرعيتهم الدستورية المزعومة فهي الاستمرار في ذات النهج الدموي بل وابتكار وسائل جديدة للقتل وارتكاب المزيد من الفظائع والأهوال·

 

رمضان في السجن

وفي موضوع ذي صلة ونحن نستقبل شهر رمضان المبارك، هذا الشهر الفضيل شهر الطاعة والإحسان كنت في أواسط الستينات أقبع في سجن الحلة مع آلاف السجناء السياسيين بعد أن أصدر محمد نافع - رئيس المجلس العرفي العسكري ومقره في معسكر الوشاش ببغداد الحكم علينا وقبل الجلسة أخبرنا المحامي فريد فتيان الذي أصبح وزيرا فيما بعد من أنكم سوف تحكمون هذا اليوم إذ لم أستطع تأجيل المحاكمة مرة أخرى·

وفي شهر رمضان زار السجن الدكتور عبد الكريم هاني - وزير الشؤون الاجتماعية كون السجون تتبع إداريا إلى وزارته وكنا قد عيّنا هيئة سجنية تدير شؤون السجناء وتكون الجهة الوحيدة التي لها شرعية استقبال مسؤولي الحكومة ونقل مطالب السجناء والتفاوض بشأنها مع إدارة السجن وغير ذلك من شؤون الإعاشة والإعلام والمالية وغيرها وكان رئيس الهيئة السجنية السجين توران عبد الحكيم لكننا بعد فترة عيّنا بدلا عنه السجين خوشابا بسبب موقف توران عبدالحكيم المتخاذل في أثناء المحاكمة الثانية له وعندما دخل الوزير السجن قابله خوشابا فاستغرب مأمور السجن من هذا التحول إذ إنه يعرف توران كممثل للسجناء وربما أعلم الوزير الزائر بذلك وعندما استفسر عن الموضوع قلنا له أن خوشابا يمتلك الآن شرعية التمثيل والتفويض أما توران فقد أقصيناه وهذا شأننا ولم يبدي المأمور اعتراضا وتمت مقابلة الوزير وكان أحد مطالبنا نقل السجناء العاديين "غير السياسيين" إلى سجن آخر لأنهم اعتدوا علينا وجرحوا بعضنا لكننا نرفض معاقبتهم أو استجوابهم ونكتفي فقط بنقلهم وقد استجاب الوزير لمطالبنا وتم بالفعل نقلهم·

مشكلة التحولات والشرعيات والعقائد مشكلة موروثة ومتشابكة ومتداخلة وملتبسة ولا يمكن حلها إلا بالاحتكام إلى العقيدة والشرعية الدستورية الواحدة الموحدة لا إلى شرعيات وعقائد وأيدلوجيات واجتهادات شخصية كثيرة تتصارع باستمرار والضحية العراق وشعب العراق الذي تحمل الكثير من الكوارث والأهوال·

hamid@taleea.com

�����
   
�������   ������ �����
الذكرى 94 لصدور "برنكيبيا ماتيمانيكا"
برتقالة الدكتور مصطفى جواد!
الانتخابات العراقية·· مفتاح العملية الدستورية
أول بيان يرسي قواعد جديدة وثابتة بين البلدين
قراءة عراقية في البيان الكويتي العراقي
بمناسبة ذكرى الغزو الغاشم
قراءة في وثائق الدبلوماسية الكويتية
الفضائية الكويتية صوت العراقيين الذين لا صوت لهم
الفضائيات العراقية تكسر احتكار الفضاء
محاكمة صدام حسين والقضاء المستعجل
وثيقة تنشر للمرة الأولى
صدام حسين أمام محكمة الشعب عام 1959
نساء العراق بريئات من صدام حسين
دفاعنا عن الكويت يعني دفاعنا عن الحقيقة
نداء عاجل
فشلت المؤامرة وانتصر العراق
الوحدة وتسليم السلطة في العراق
أضواء على التعداد العام في العراق
خطوة كويتية جديدة باتجاه العراق
انتصار الرياضة العراقية
المواطنية والوطنية والولاء
أضواء على مهمة الأخضر الإبراهيمي في بغداد
أطروحتان لمساعدة الشعب العراقي
الاستثمار الكويتي في العراق
حدث تاريخي بارز في الحياة السياسية الكويتية
الذكرى الرابعة لندوة مستقبل العلاقات الكويتية العراقية
قراءة من منطلق رؤية فيزيائية فلسفية
كيف وإلى أين يسير الوضع في العراق؟
  Next Page

المعارضة من خارج البرلمان:
د.عبدالمحسن يوسف جمال
العراق والكوارث في لعبة السلام!!:
سعاد المعجل
توارث السلطة:
يحيى الربيعان
بلد المليون تاجر:
م. مشعل عبدالرحمن الملحم
قوة العامل:
أ.د. إسماعيل صبري عبدالله
أزمة حضارية!:
عامر ذياب التميمي
وزارة التربية ومعاملات النواب:
المحامي نايف بدر العتيبي
الأساليب التربوية الجديدة في كلية العلوم الإدارية:
المهندس حسن محمد أشكناني
تخصيص مكاتب البريد في الكويت: تجربة تسويقية:
خالد عايد الجنفاوي
شهادة صهيونية:
عبدالله عيسى الموسوي
تقييم للمقاومة الصدامية·· ومقاوميها الأمريكان!!:
د. جلال محمد آل رشيد
متى يتحوّل العراقيون من العقيدة الانتقالية إلى العقيدة الدستورية:
حميد المالكي
استراتيجية التطوير البرلماني:
تطـوير الأمانة العامة في البرلمان (3 والأخيرة):
د· علي الصاوي
الديون والتعويضات:
د. محمد حسين اليوسفي