| منذ التاسع من نيسان الماضي المجيد يوم سقوط نظام صدام وعصاباته الإرهابية لم يقدم أحد من رموزه وعناصره الإجرامية الى المحاكم لمحاكمتهم على الجرائم التي ارتكبوها بحق العراق والعراقيين وبحق دول وشعوب الدول المجاورة بل ولم يُلق القبض إلا على العدد الضئيل من هؤلاء ومازالت الغالبية العظمى منهم تسرح وتمرح في داخل العراق وخارجه دون رقيب أو حسيب بل إن الكثير منهم انخرط في ممارسة الأعمال التخريبية كتفجير أنابيب البترول وتدمير محطات الكهرباء والماء والمباني العامة ويشيع الشائعات ويدبج الافتراءات والأضاليل وبقي التركيز ومعظم الجهود مقتصرة على قائمة الـ 55 وحتى الذين اعتقلوا من هؤلاء ضاعت أخبارهم تماما وكأنهم انتقلوا الى عالم آخر·
و بعد اكتشاف المقابر الجماعية للعراقيين والكويتيين فإن المنظمات العربية والدولية بقيت على صمتها إلا ما ندر من بيانات الشجب والإدانة دون المطالبة باعتقال ومحاكمة أولئك المجرمين القتلة·
وبمرور الأيام يتعاظم حزن أهالي الضحايا إزاء هذا الوضع المأساوي وذاك الصمت غير المبرر على الإطلاق في الوقت الذي يمتلك شعبنا العراقي ملايين الوثائق المرئية والمسموعة والمقروءة، وزاد هذا العدد أضعافا مضاعفة بعد سقوط النظام، حيث أمكن الحصول على ملايين أخرى من الوثائق في مقار الأمن والمخابرات والاستخبارات والحزب الحاكم وغيرها إضافة الى ما تملكه المنظمات الإنسانية الدولية من وثائق الإدانة والتجريم مما يزيد من ألم وحزن أهالي الضحايا الذين لا عزاء لهم ولا مطالب لهم ولا أمل لهم بعد أن عثروا على فلذات أكبادهم مجرد عظام متناثرة هنا وهناك غير القبض على هؤلاء القتلة، وتقديمهم فورا لمحاكم علنية والاقتصاص العادل منهم وتعويضهم عما فقدوه من أعزاء أبرياء لهم اختطفوا وعذبوا وقتلوا بأبشع الأساليب خصوصا وأن القتلة معروفون ومشخصون تماما بأسمائهم ومواقعهم ومناصبهم ورتبهم وألقابهم ودور سكنهم وإقامتهم وهناك ملفات كاملة عن كل ما ارتكبوه من جرائم وخطايا ومحرمات·
والسؤال الكبير: إذا كان كل ذلك متوفرا ومتوافرا وموثقا فما الموانع التي تحول دون القبض عليهم ومحاكمتهم؟!
وأين هو مشروع العدالة الانتقالية الذي اشتغل عليه المختصون العراقيون سنوات طويلة وأنجزوه؟!
والسؤال الآخر: هل هناك موانع سياسية؟ الجواب ليست هناك موانع سياسية·
وسؤال ثالث: هل هناك موانع وإشكالات قانونية؟ الجواب ليست هناك موانع وإشكالات قانونية لأن القتلة موجودون والضحايا موجودون والأدلة لا تعد ولا تحصى·
ولرب قائل يقول: قد تكون هناك موانع فنية من قبيل عدم تشكيل السلطات الدائمة في العراق: التشريعية والقضائية، والتنفيذية، والجواب إن ذلك لا يمنع ولا يشكل عائقا أمام تقديم هؤلاء الى المحاكم فالقضاء موجود والقضاة موجودون والبدء في محاكمتهم لا تحتاج الى موافقة أو قرار من أي نوع كان، و قوانين وتشريعات العالم تجيز محاكمتهم لأنها جرائم ضد الإنسانية بأسرها وليست ضد العراقيين والكويتيين فقط·
وإذا افترضنا جدلا أن تشكيل المحاكم يحتاج الى وقت، فإن الواجب على السلطات الحاكمة في العراق أن تعتقل هؤلاء فور سقوط النظام الصدامي والتحفظ عليهم لحين البدء بمحاكمتهم بدلا من تركهم طلقاء هكذا يسرحون ويمرحون بحرية ويقومون بأعمال تخريبية ويشيعون الفوضى وعدم الاستقرار بينما هرب ويهرب الكثير منهم الى خارج العراق فضلاً عن أن وجودهم هكذا يوجد الاحتقان الاجتماعي ويدمر السلام في الحياة العامة ويفقد المواطنين الثقة بالسلطة القائمة ويمنع من تأييدهم لها والاستجابة لأوامرها وقراراتها وعدم التعاون معها، ويؤدي ذلك الى لجوء بعض المواطنين الذين فقدوا صبرهم حينما طال بهم الانتظار الى الاقتصاص من بعض أولئك المجرمين بأنفسهم وهذه ظاهرة خطيرة ومضاعفاتها الثأرية واسعة ومدمرة لا نشجعها ونرفضها ولا نؤيدها بأي حال ولأي سبب كان، و معالجتها تكمن فقط في اعتقال مجرمي النظام البائد وتقديمهم الى المحاكمة فورا، وندعو المواطنين من أسر الضحايا الى المزيد من الصبر والتريث والمزيد من المطالبة والضغط والاحتجاج بالطرق السلمية المشروعة بالاستفادة القصوى من مناخ الحرية السائد في العراق·
إن أخطر ما يواجهه العراقيون هو أجهزة صدام العلنية والسرية ذات الخبرات والمهارات العالية في الخطف والاغتيال والتفجير والتدمير والتعذيب والمقابر الجماعية، إضافة الى الأوكار السرية ومخازن الأسلحة والتجهيزات والأموال الهائلة والمخابئ والملاجئ والبيوت السرية والبدائل السرية لأجهزته وغيرها من أساليب الطوارئ والتعبئة والاستعدادات المكثفة والمنظمة التي اتخذها نظام صدام قبل بداية الحرب·
إن طابع المنظمة السرية التي أنشأها النظام قبل استلامه السلطة في 17 تموز 1968 والتي تعاظمت وتضخمت وتم تجهيزها بالتقنيات الحديثة والأموال اللامحدودة والعناصر المحترفة المدربة والتي تمددت وتشعبت كالأخطبوط في العراق وفي العالم أجمع هي ذاتها موجودة الآن بمعظم هياكلها وملكاتها وخبراتها ومهاراتها وأساليبها الإجرامية وهنا مكمن الخطر الأكبر الذي يتصاعد باستمرار خصوصا في ظل انهيار الدولة، وعدم الاستقرار وغياب السلطة القوية المتكاملة، وفي ظل هذا الفراغ الخطير فإنه من المتعذر القيام بحملة حكومية وشعبية لتصفية تلك المنظمة السرية التي يتجاوز عمرها نصف قرن·
إن رموز العمل الوطني العراقي وقيادات القوى السياسية في دائرة ذلك الخطر وفي مرمى أسلحة المنظمة السرية تلك وأساليبها من أجل إرباك الساحة العراقية وإعاقة التغيير المنشود وإثارة الفتن والنزاعات وتغذية الخلافات وتفجير الصراع الدموي بعد أن باءت جميع المحاولات لتفجيره بالفشل وبقي حتى هذه اللحظة صراعا سلميا حواريا وأخويا وبناء·
إذن يجب اتخاذ أقصى درجات اليقظة والحذر والتحصن والتحسب والعمل السريع باتجاه القيام بحملة حكومية وشعبية لتصفية تلك المنظمة السرية والتي تشكل قلب وعصب ودماغ صدام ونظامه البائد·
ومع ذلك كله فإننا على ثقة تامة ومتفائلون جدا بأن كل تلك القوى الشريرة والمخططات التآمرية البائسة اليائسة ستفشل حتما بفضل يقظة شعبنا ووعيه وشعوره العالي بالمسؤولية ووفائه لأنهار من دماء أبنائه الزكية وبتعاون وبدعم أشقائنا وأصدقائنا وحلفائنا الشرفاء الذين واكبوا وتفاعلوا وساندوا مسيرة كفاحنا الطويلة الدامية لإسقاط صدام ونظامه الإرهابي·
hamid@taleea.com |