| المشهد العراقي الراهن على ضخامته واتساعه وشدة تنوعه فإنه وبالضرورة الشرعية التلقائية مفتوح وسيظل كذلك الى أمد غير منظور على الاجتهاد والتحليل والتوصية والتقرير ويستمد مشروعيته هذه من التركة الثقيلة لنظام صدام البائد ومن انهيار الدولة ومن ظهور هذا العدد الهائل من الأحزاب والحركات ومن هذه الشرائح الاجتماعية التي ظهرت وبقوة على المشهد السياسي والفكري العراقي وبصورة مفاجئة وغير متوقعة·
وحيث إن العراق في مرحلته التاريخية الراهنة وهذا ما أثبته ويثبته كل يوم سياق الواقع العراقي منذ التاسع من أبريل الماضي وأنساقه المتنوعة وفي شتى الميادين وديناميكية الحياة العامة فإن العنوان الذي يصلح له والذي يجب أن تتكثف وتحتشد كل الأنشطة لبلوغ أهدافه وإنجازه هو: "التنمية والبناء والإعمار" بعيدا عن الصراعات السياسية الحزبية والفئوية والمناطقية والطائفية والقومية وهذا يتطلب حكومة تكنوقراط عراقية لا حزبية سياسية بعيدة عن الولاءات أيا كانت وغير قائمة على المحاصصة والحصص والتقسيمات والأرقام والنسب على أن تكون هناك هيئة أو مجلس أعلى للشؤون السياسية وبذلك تتفرغ الحكومة تماما للتنمية والبناء والإعمار وهي مهمة كبيرة وعظيمة لأن البناء سيكون من الصفر وهو بناء سيكون شاملا لكل شيء: الاقتصاد، المال والتجارة، الكهرباء، الماء، الصناعة، البيئة، الزراعة، الري، الموانئ، النفط، الثروات المعدنية، التربية والتعليم، الرياضة، الثقافة، الفنون، السياحة، الآثار، الى آخره·
أما القضايا السياسية والدستور والقوانين والانتخابات وبناء المؤسسات الدستورية وقضايا الدبلوماسية والسياسية الخارجية وغيرها فإن ذلك سيكون حصرا من اختصاص الهيئة أو المجلس السياسي الأعلى·
ولرب سائل يسأل: المنصب الوزاري الحكومي هو منصب سياسي بالأساس ولكنه أيضا منصب مهني فكيف يتم تجريد الحكومة من طابعها السياسي؟ والإجابة: في حالة العراق الانتقالية الحالية فإن ذلك التجريد تتطلبه مستلزمات الحالة ذاتها القائمة اليوم في العراق وذلك للأسباب التالية:
أولا: عدم استطاعة أي حكومة التوفيق بين مهامها السياسية ومهامها المهنية الوظائفية في آن واحد·
ثانيا: استحالة تشكيل حكومة تشمل وتحتوي وتمثل جميع التنوع السياسي العراقي الراهن الذي يزداد باستمرار ويتنوع بشدة·
ثالثا: إن تشكيل حكومة تكنوقراط مهنية مستقلة وغير سياسية سيتيح لها المجال واسعا لتنفيذ مهمات وأعباء قضايا التنمية والبناء والإعمار وهذا ما لا تستطيعه حكومة سياسية حزبية أو لا حزبية تنشغل بالقضايا السياسية والولاءات الحزبية والأحكام والحتميات والمحددات الفكرية الأيديولوجية وكل ذلك التحليل والتشخيص ينطبق على المرحلة التاريخية الراهنة التي يعيشها العراق ولا نتحدث عن المستقبل البعيد فذلك مرهون بزمنه وسيكون نتاج التفاعلات والتطورات وآفاقها المستقبلية وستحظى هذه الحكومة التكنوقراطية المستقلة بشعبية كبيرة لأن معظم أفراد شعبنا العراقي هم مستقلون وغير حزبيون والكثير منهم لا يهتم بالسياسة بقدر ما يهمه بالدرجة الأولى تنمية الوطن وبناؤه وإعماره بشريا وماديا وطبيعيا بعد الخراب الشامل الذي عبث به طيلة أكثر من ثلاثة عقود على أيدي العصابة الصدامية المجرمة وفق منظور حر ومفتوح وغير مقيد بإطار حزبي وأيديولوجي ومصالح ذاتية فئوية ضيقة وهذه حقيقة كبرى وشاخصة يجب أن تأخذها كل الدول بعين الاعتبار والاهتمام عند تعاملها مع الشؤون العراقية وهو أن تتعامل مع العراق بكليته الشاملة لا مع أجزاء وتفاصيل ومفردات وانتقائية، إلا إذا كانت ترى أن بعض تلك الأجزاء تشكل خطرا عليها وتتعارض أو لا تستجيب أو لا تنسجم مع سياساتها العامة فإن هذا شأنها ومن حقوق سيادتها التي ليس من حق أحد أن يتدخل فيها أو ينازعها عليها أحد·
كما أن هناك حقيقة يجب أن يعيها الجميع وهو أن بناء الدولة من نقطة الصفر يعني أن هناك ركائز وأسسا يجب أن يقوم عليها ذلك البناء فإذا لم تكن تلك الركائز والأسس متينة وسليمة ومن خامات ومواد ممتازة وجديدة تواكب أحدث التطورات والتقنيات والمهارات فإن ذلك البناء سيكون معرضا للتآكل والانهيار ولذلك فإن مرحلة بناء الركائز والأسس في العراق الجديد هي مرحلة خطيرة جدا وحساسة جدا وتتطلب التأني والصبر والدقة واليقظة والحصانة والمجابهة المستمرة والنزاهة والتجرد من المصالح الذاتية والفئوية الضيقة والنظر الى كامل الوطن بمنظار واحد موحد مثلما تتطلب في الوقت ذاته الحسم والحزم والشفافية والعدالة·
إن تشكيل حكومة تكنوقراط عراقية لا حزبية سياسية وتهتم بالتنمية والبناء والإعمار يستجيب تماما للمزاج الشعبي العام الذي عانى من التخريب والتدمير المنظم للشعب والوطن في عهد صدام حسين والذي يتطلع الى عهد جديد زاهر حافل بالتنمية والبناء والإعمار والسلام في الحياة العامة العراقية والتي كانت ولسنوات طويلة مضت زاخرة بالصراعات والتناحر وعدم الاستقرار، والموروث العراقي السياسي في هذا المجال موروث مرير ووقائعه مؤلمة ومؤسفة وكان من نتائجه الكارثية أن تقفز عصابة البكر - صدام الى السلطة في 17 يوليو عام 1968·
إن الطريق الصحيح والوحيد لحل كل الأزمات العراقية ولمعالجة مضاعفات وآثار التركة الثقيلة لنظام صدام يتطلب بناء العراق الجديد في مرحلته التأسيسية الراهنة على ركائز وأسس التنمية والبناء والإعمار بعيدا عن التنظيرات والصراعات الفكرية والسياسية والثرثرة والسفسطة اللفظية وإن انشغال الجميع بهذه التنمية وهذا البناء والإعمار وبروح العمل المنتج والحوار الموضوعي السلمي الأخوي سيتيح لشعبنا العراقي وبلادنا المثقلة بالفظائع والأهوال الفرص واسعة لبناء الدولة الحديثة وارتقائها في سلم التقدم والتطور والحضارة·
ذلك هو الطريق الصحيح والوحيد ولا طريق سواه·
اكتشاف قبر جلجامش
عثر علماء الآثار في العراق على ما يعتقد بأنه القبر المفقود لجلجامش، موضوع أقدم ملحمة في التاريخ البشري حيث تدور أحداث الملحمة التي كتبها أديب شرق أوسطي قبل نحو 2500 عام من ميلاد السيد المسيح عليه السلام حول حياة حاكم مدينة "أوروك" وهو الاسم الذي اشتق منه اسم العراق·
وذكر موقع "بي· بي· سي اونلاين" أن بعثة علمية بقيادة ألمانية اكتشفت ما تعتقد أنه مدينة أوروك برمتها بما في ذلك المجرى القديم لنهر الفرات ومستقر رفات الملك الشهير جلجامش، وقال يورك فاسبندر من إدارة المتاحف التاريخية في ميونخ إن ما اكتشف يبدو شبيها للغاية بالقبر الذي ورد وصفه في ملحمة جلجامش، وتشير الملحمة المنقوشة على ألواح الطين الى أن الملك دفن تحت قاع الفرات في قبر بني في المكان الذي انشق فيه النهر بعد وفاة الملك وقال فاسبندر: "وجدنا خارج المدينة في وسط المجرى القديم للفرات بقايا بناء يمكن أن يكون مدفنا"·
وأوضح أن تقنية التنقيب الحديثة لعبت دورا حاسما في الاكتشاف المذهل للمدينة القديمة تحت سطح الصحراء العراقية وأضاف: بقياس الفوارق في شدة المجال المغناطيسي في التربة يمكنك رؤية ما هو تحت الأرض ومسح التفاوت المغناطيسي بين لبنات الطين وطبقات الرواسب في حوض الفرات يعطي صورة مفصلة عن هيكلية المدينة المدفونة وباستخدام تقنيات المسح الرقمي لهذه الصورة أمكن إنتاج نموذج تخطيط لمدينة أوروك·
ودهش علماء الآثار لاكتشاف أبنية موصوفة من الملحمة كان بينها حدائق وحقول ومنازل بابلية لكن الاكتشاف الأكثر إثارة بحسب فاسبندر كان نظام الأقنية المائية المتطور الذي كان يستخدم في حضارة ما بين الرافدين قبل 4500 عام·
hamid@taleea.com |