| تعلمنا من الفلسفة أن جميع الأنظمة الدكتاتورية تحتاج من أجل الحفاظ على سيطرتها إلى وظيفتين اجتماعيتين: وظيفة الجلاّد ووظيفة رجل الدين، الجلاد لكي يقمع احتجاج وثورة المقهورين ورجل الدين لكي يُعزًّي المقهورين ويرسم لهم آفاق تخفيف للمصائب والتضحيات مع بقاء النظام الدكتاتوري وبالتالي يجعلهم يتقبلون هذه السيطرة، بصرفهم عن النضال ويحاول ضرب حالتهم النفسية الثورية وتحطيم قدرتهم على المقاومة وإحداث التغيير المنشود، وذلك باستغلال الدين أبشع استغلال حينما يتم تشويه المبادئ السامية للدين وقيمه الإنسانية الفاضلة وتوجيهها باتجاه خدمة النظام الدكتاتوري ونعني برجال الدين هنا زمرة من الزنادقة الأوغاد الذين استطاع النظام أن يُجندهم عبر أساليب الترغيب والترهيب والامتيازات الدنيوية الحقيرة والمنافع الذاتية على حساب وطنهم وشعبهم ودينهم، أما الغالبية العظمى من رجال الدين الأفاضل فهم ضد نظام صدام الإرهابي فمنهم من قُتل ومنهم في السجون وآخرون هاجروا إلى خارج العراق وغيرهم ظلوا في وطنهم يقاومون النظام·
وابتكر صدام وزمرة رجال الدين تلك حملة أسموها “الحملة الإيمانية” ونصبوا صدام قائداً لها وهي دعوة حق أريد بها باطل إذ بينما كانت الحملة في أوجَّها كان صدام وتحت ستارها يشن حملة إعدامات بين صفوف علماء الدين والوطنيين ويبث رجال أمنه ومخابراته في الجوامع والمساجد والحسينيات للتجسس على المصلين ورصد حركتهم وما يقوله المؤمنون الحقيقيون حتى أن بعض تلك المساجد بلغ فيها عدد جواسيس صدام أكثر من المصلين أنفسهم·
وتحت ستار تلك الحملة تغلق المساجد والجوامع وتُصادر الحسينيات وتحت ستارها يعتقل المصلون ويمنع البعض من دخول المساجد وتواجه مناسبات إقامة الشعائر الدينية بأبشع الحملات الدموية وتحت ستارها أيضاً تأتي الألقاب لصدام: “المنصور بالله” و “هبة السماء إلى الأرض” و “سيّد الحكمة”! و “ربيع العراق” و “شمس الشموس” ثم يأمر المختصين بالأنساب ليرسموا له شجرة نسب تنتهي إلى آل البيت للرسول الأعظم محمد، (صلى الله عليه وسلم)، وهم براء منه إلى يوم الدين·
وفجأة أصبحت خطب صدام وأحاديثه، خطباً وأحاديث دينية تزخر بالآيات الكريمة والسنة النبوية وعبارات الكفر والإيمان وإرادة الله سبحانه وتعالى، بينما يستمر نزيف دماء المؤمنين الحقيقيين وتذاب أجسادهم بأحواض الأسيد وتنتهك أعراضهم وتصادر أموالهم وممتلكاتهم ومكتباتهم وتقطع عن بيوتهم ومكاتبهم خطوط الهاتف والكهرباء والماء ويعتقل كل من يقابلهم، وهؤلاء من جميع الأديان والطوائف من سنّة، شيعة، مسيحين، صابئة مندائيين، يزيديين، آشوريين، تركمان، أكراد ناطقين بالسريالية، كلدان، كاثوليك، بروتستانت، أرثوذكس وغيرهم من جميع القوميات·
ثم أنتجت هذه “الحملة الإيمانية” المشؤومة حملة أخرى أسماها النظام “حملة إثبات النسب” راح ضحيتها كوكبة من العلماء الأفاضل وتم تشويه واضطهاد الآلاف من أبناء شعبنا الأصلاء في النسب والنزاهة والأخلاق بسبب رفضهم ومقاومتهم للنظام الصدامي الفاسد·
الحملة تلك مستمرة ولن تتوقف كغيرها من الحملات الدموية كحملة “تنظيف السجون” التي بدأها عام 1997 والتي راح ضحيتها الآلاف من خيرة أبناء شعبنا وحملة تجفيف الأهوار وحملة “جيش القدس” وغيرها من الحملات التي لن تنتهي إلا بإسقاط نظام صدام وفي القريب العاجل بإذن الله تعالى·
نسبة القتل 5 في المئة
من القرارات التي تقشعر لها الأبدان وتشمئز منها النفوس وترتجف الضمائر من هولها ألماً وخجلاً قرار القيادة العامة للقوات المسلحة العراقية بمنح المسؤولين عن المعتقلات الحق في قتل ما مجموعه %5 في المئة من مجموع المعتقلين بسبب أو بدون سبب إنما يعود ذلك إلى مزاج المسؤولين وتقديراتهم لنوع السبب مثل عدم إطاعة الأوامر في أثناء التدريبات التي هي أشغال شاقة والتي تفرض على المعتقلين والسجناء العسكريين الذين سجنوا لأسباب منها الهروب من الخدمة العسكرية أو فقدان الملابس والبسطال والبطانية التي زوّدوا بها·
القتل يتم من دون محاكمة إنما فقط أن يؤشر المسؤول على الضحية فيتولاه المختصون بالقتل ويطبقون عليه الوسيلة التي تروق لهم أو أن المسؤول نفسه يبادر إلى قتله فوراً إذا كاان في حالة نفسية مضطربة·
إزاء هذا الوضع أقدم عدد من السجناء العسكريين على الانتحار في سجن محافظة الموصل بسبب الضغوطات النفسية والبدنية والتعذيب الذي يلاقونه، وسجن الموصل يعتبر من السجون الكبيرة والمشهورة الذي يمارس فيها أنواع التعذيب والقتل العمد للسجناء من أبناء الموصل كغيره من السجون والمعتقلات العسكرية في الوحدات العسكرية والمحافظات، وهناك سجون سرية للعسكريين تم الكشف عنها من قبل قوى المعارضة أو من سجناء استطاعوا الهرب منها وهناك سجون سرية لا أحد يعرف مكانها ولا عدد الضحايا الذين زجّوا فيها·
وهكذا تستمر طاحونة سلطة بغداد في القتل وإشاعة جو خانق من الإرهاب الشامل الذي لم يسلم منه أحد مما جعل الهجرة إلى الخارج تتزايد باستمرار وتشمل أعداداً كبيرة من العسكريين ضباطاً ومراتب أخرى إذ لم يعد أحد يتحمل أو يطيق الوضع الذي آل إليه عراقنا العزيز مع ازدياد حملة الإعدامات الجماعية للعسكريين وكانت إحداها ماكشفه العقيد الركن مزاحم رشيد الجبوري الذي هرب إلى الأردن قبل أيام بصحبة عدد من الضباط وهو أحد ضباط الفرقة 18 التابعة للفيلق الرابع إذ قال إنه شاهد عمليات إعدام جماعية بخمسين عسكرياً في سجن الفيلق الرابع بالإضافة إلى 45 مدنياً في محافظة البصرة وعمت جميع تلك الإعدامات بإشراف علي حسن المجيد (علي الكيماوي)، ومن بين المعدومين أيمن ساجد دوحان وعبد العزيز حميد مخلف من الفرقة 14 وسالم حسين تيمور وأسعد عبد المجيد الدليمي وهادي سلمان أيوب من الفرقة 18 وعلي سالم عناد من مقر الفيلق الرابع وصادق شاكر معيوف وفلاح أمين محمد الجفابي من سرية دبابات المقر·
نضع تلك الحقائق الموثقة أمام الرأي العام والمنظمات والدول والشعوب آملين التحرك السريع والفاعل لإدانة نظام بغداد والتضامن مع شعبنا وقواه المعارضة ودعم كفاحهما من أجل خلاص بلادنا من كابوس الدكتاتورية بإذن الله تعالى·
سعدون حمادي و (الإسطبل اللاوطني)!
قبل أيام ظهر سعدون لولاح حمادي رئيس الإسطبل اللاوطني، مندداً وداعياً العرب والمسلمين ومؤيداً وبشكل مطلق كل ما تتخذه “القيادة التاريخية” من إجراءات لصد العدوان على سيّده صدام·
المجلس اللاوطني أو مجلس الـ “خضوع” والـ “نعم” الخاضع دوماً والمنقاد والمذعور من “القيادة التاريخية”· هذا المجلس لم ينطق منذ تشكيله وحتى اللحظة بكلمة “لا” وحتى حين يطالب صدام أعضاءه بتعضيد “لاءاته” فإنهم يصوتون بـ “نعم” للاءات الرئيس متبوعة بـ “حفظه الله ورعاه”!
أعضاء ليسوا من الشعب في شيء كما أنهم حتى ليسوا من السلطة فهم فاقدو الحظوة سواء لدى الشعب أم لدى السلطة، بالمقارنة مع الشعب فهم ضده في كل الأحوال ماداموا قد نذروا تواقيعهم وبصمات أصابعهم لصدام حسين·· وبالمقارنة مع السلطة فإن شرطي الأمن في العراق له الحظوة والصلاحيات ما يخولانه تركيع “عضو المجلس” أو حسب تعبير صدام “نتّف شاربه”·
العجيب في الأمر أن بعض الإعلاميين العرب بدافع من التنميق الإعلامي مدفوع الثمن يطلق على هذا المجلس الرث تسمية “البرلمان” فيقال “البرلمان العراقي”! ثم أنهم يأخذون تأييداته لصدام على محمل الجد فيقال مثلاً “إن البرلمان العراقي أيّد ماطرحه “الرئيس” صدام حسين!”·
والحقيقة فإن أفضل ما يُرد به على تعبيرات كهذه هو الضحك، وبالنسبة للعراقيين فإنهم إذا ما سمعوا أو قرأوا تعبيراً كهذا فإنهم سينطلقون بالضحك من نوع آخر·· ضحك طويل مصحوب بالدهشة حتى تدمع عيونهم وتتشنج خواصرهم·
أي برلمان؟ ياهؤلاء؟!
هل يمكن أن يتردى الوعي السياسي إلى درجه يصبح فيها من العسير التمييز بين مفهوم البرلمان الذي تهتز لرأيه أركان القصور الرئاسية في الإدارات السياسية الديمقراطية الحقيقية وبين حثالة من البدائيين المهزوزين أصلاً لسببٍ أو بدونه؟
أي برلمان هذا الذي يمتلك عدي ابن الرئيس وهو صبي غرّ مستهتر وفاسد ومجرم صلاحية دعوته لعقد اجتماع في أي وقت يشاء بحضوره أو بدونه ودون التشاور مع رئيسه؟ وأي برلمان هذا الذي يقدر أربعة من رجال الانضباط العسكري على اقتحام مقره وفضّ جلسته بل وحتى مطاردة أعضائه؟!
وليس في ذلك مبالغة على الإطلاق فهذا الذي يسمّى “المجلس الوطني”، ما هو إلا مزحة من مزحات صدام الكثيرة ومع ذلك فإنه ليس من مزحاته الخطيرة إنما السمجة وحسب، والعراقيون يسمونه بـ “الإسطبل اللاوطني” وهو كذلك حقاً·
البصطة العراقية!
قال لي محدثي: إنكم (العراقيون) مميزون في كل شيء فإذا كنت في مجلس وذكر الشاي قال الجميع بصوتِ واحد: الشاي العراقي وبس، وإذا ذكر الكباب قالوا كذلك، أما الباجة فالعراقية لا أطيب منها، وهناك السمك المسكوف والكبة البرغل المصلاوية· أما الشربت فشربت (الحاج زبالة) في بغداد من أشهر الشرابت (جمع شربت) وأقدمها في العالم المصنوع من الزبيب والذي أسسه عام 1900 عبد الغفور عبد الصاحب محمد ولقبته أمه بزبالة كاسم مُنفر للناس منه بعد ما تعودت على فقدان أطفالها الواحد تلو الآخر بسبب الأمراض الفتاكة حينها·· ثم صمت وقال:
- وأنت ماذا تقول؟
- قلت: أنت قلت كل شيء وكأنك عراقي·
- ولكن بقيت البصطة العراقية·
- قلت أجل· سمعت بها خارج العراق فقط وهي تعني الضرب باليد أو بالعصا ويحدث ذلك في كل مكان من العالم·
- قال بخبث: ولكن يقولون حتى هذه البصطة العراقية فقد ذهبت مثلا لشدتها·
- قلت: هذا غير صحيح على الإطلاق·
- قال: أتدافع؟ أتبرر؟
- قلت: لا هذا ولا ذاك ولكنها الحقيقة فالبصطة يعتمد وضعها على الفاعل ودرجة قسوته أو رحمته مهما كان فعل “المبصوط” فالعراقيون ليسوا كلهم قُساة وليسوا كلهم رحماء وهم مثل بقية خلق الله تماماً·
وهنا·· صمت محدثي ودار بالحديث إلى موضع آخر· |