رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 13-19 شعبان 1423هـ الموافق 19-25 أكتوبر 2002
العدد 1549

على كل امرأة أن تقرأ فاجعة هذه المرأة العراقية... حقائق القسوة وأعماق الأمومة
حميد المالكي
hamid@taleea.com

منذ بدأ لا يعود الى البيت، شرعت الأم الوحيدة تبحث عن ابنها الوحيد وكالعادة لم تحصل على جواب·

أصدقاؤه كانوا متوافقين تماما في تحديد تاريخ آخر لقاء لهم معه: المستشفيات لا يوجد لدينا أحد بهذا الاسم أو المواصفات· مراكز الشرطة: لا يوجد· دائرة المرور: ما علاقتنا بالموضوع؟ مقرات الحزب: اذهبي الى دائرة الأمن· موظف الاستعلامات في دائرة أمن المحافظة: لا نعرف·

وحده سائق التاكسي أعطاها جوابا معقولا فبعد أن حصل منها على معلومات تتعلق بابنها المفقود·· عمله اهتماماته، شكله· قال لها: عليك بـ “سجن أبو غريب” وإذا لم تحصلي على جواب فوري من مسؤولي السجن داومي على حضور “المواجهة” أسبوعيا علك تعثرين على من يخبرك عنه بين السجناء أنفسهم وأردف: إذا لم يحالفك الحظ خلال زيارة أو اثنتين، عاودي الكرة بعد مدة فربما لا يزال ابنك رهن التحقيق·

لم تفهم من كلامه سوى ضرورة ذهابها الى “سجن أبو غريب” في ضواحي بغداد ودونما اعتراض كالذي تبديه الأمهات بشكل غريزي ضد افتراض أن يكون الابن “مذنبا” قالت: غدا إن شاء الله فيما نظرتها مصلوبة على نقطة في الأفق ربما كان رأس ولدها مدلى من مشنقة وهو الأمر الذي ألهاها عن تردد “لا سمح الله” لإبطال فرضية سائق التاكسي·

في باب السجن طلب منها الحارس ذو البدلة العسكرية والرشاشة ذات المخزن المضمد بشريط أصفر أن تجلس جانبا بانتظار “المسؤولين” الذين لن يباشروا دوامهم قبل أربع ساعات على حد تعبيره وأضاف خلال نوبة سعال: الأفضل أن تسألي عنه مديرية الأمن العامة، هنا لن تحصلي على شيء عنه ثم قادها من يدها الى مبعدة عشرة أمتار في مواجهة البوابة الرئيسية للسجن وعاد ليدخن ملقيا صوبها نظرة متقطعة يختلط فيها الإشفاق والحياد· كانت تبدو في عينيه عبر العتمة الآخذة بالتفسخ حشود غربان نائمة على جثة تنبعث منها الاستغاثة على شكل أنين·

عندما بدأت السيارات الرائحة الغادية على طريق بغداد - الرمادي بإطفاء أضوائها الأمامية اقترب منها حارس آخر، عرفت ذلك من وقع كلماته التي يلقيها كما لو كانت أحجارا ضخمة تتسارع على سفح ذي تشققات متعرقة، كان الضجيج يحف بعباراته المقتضبة فتبدو كشتائم: “شتريدين من الصبح”؟

- أريد ابني محمد

- أو شيسوي هنا؟

- طلع من البيت قبل شهرين وانقطعت أخباره·

- منو كالج هو هنا؟ أي قال لك·

- صاحبك قال: انتظري المفوض واسأليه·

- إذن انتظري صاحبي·

كان عليها أن تواصل الجلوس بمواجهة البوابة الرئيسية لسجن “أبو غريب” أسبوعا كاملا منذ الفجر وحتى ساعة متأخرة من الليل يوميا ليسمحوا لها بمقابلة المفوض· قالت له متوسلة: الله يخليك، أريد أعرف هو موجود هنا لو لا؟ ميت أو حي؟ كان تحديدها لخياري الجواب قد دفع بالمفوض ذي الوجه المسكون ببقايا كابوس ليلي الى ابتكار جواب ثالث إذ فكر بغريزته كشرطي أن الإجابة بـ “موجود”، أو “غير موجود” كانت ستنهي معاناتها في البحث عن ابنها، قال: لا أدري، بطريقة تحتمل الاثنين وخشية ألا تصلها احتمالية عبارته، أضاف: انتي تريدين تورطيني ليس من مسؤوليتي إخبارك عن مصير ابنك اذهبي الى الأمن العام أو أمن بغداد أو أمن·· من أي مدينة أنت؟ أجابت: الحلة· فاستدرك: أو أمن الحلة·

بعد أربعة شهور أضحت المرأة معروفة من لدن حراس السجن ومعظم السجناء والعوائل التي كانت تحضر كل أسبوع لرؤية أبنائها· الجميع عرفها بأم الوحيد فيما كانت هي تحرص خلال الزيارة على أن تتبادل التحية مع معظم من تقابلهم من السجناء، ربما كانت قد بدأت عادتها هذه برغبة الحصول على أخبار ابنها المفقود ولم تفلح طبعا فانتهى بها الأمر أن اعتادت على رؤية المساجين والاطمئنان على صحتهم كما لو كانوا ابنها موزعا في المئات منهم وهكذا باتت تربطها بهم علاقة حميمة وما عاد هذا الأمر يثير حفيظة ذويهم رغم “حراجة” أن يفوق اهتمام هذه المرأة بأبنائهم اهتمامهم بهم·

وبمرور الأيام بدت المرأة وكأنها استسلمت لقدرها أو قررت التعايش معه متجنبة قدر إمكانها الاصطدام بحقائقه ومكتفية في الوقت ذاته بأسئلة يائسة تلقيها دون إلحاح على الوافدين الجدد علّ أحدهم صادف ابنها أو سمع باسمه خلال التحقيق ثم ما لبثت أن تخلت عن هذه العادة أيضا بفضل جهود قلة من المعتقلين الذين جاهدوا للحفاظ على سر قد يضع انكشافه جدا لعذاباتها وإن أضحت بالنسبة إليها مسرة من نوع ما فإضافة الى هؤلاء ثمة عدد كبير من الحراس يعرفون أنه كان بإمكانها رؤية ابنها مرة أو مرتين خلال الأسبوع الأول على مجيئها الى السجن أما بعد ذلك فمستحيل، لهذا كان يوم “الزيارة” أشبه بساحة سباق خفي، السجناء يحاولون حمايتها من ألسنة بعض الحراس الذين وجدوا في مأساتها فرصة للتندر والسخرية، أما الحراس الذين كان لا يزال يلوح في أعينهم بصيص رأفة فقد أرادوا منعها من الحضور الى السجن كل أسبوع إشفاقا عليها من صدمة يمكن أن تحدث لها عند معرفة الحقيقة أن يكون ابنها قد أضحى (زلاطة للديدان) كما علق أحد المتندرين·

في يوم “زيارة” شتائي كان على العوائل أن تقابل أبناءها كالعادة في باحة السجن تحت وابل كثيف من الأمطار لذلك اضطر بعضهم نزولا عند رغبة الأبناء أن يختصروا الزيارة الى دقائق وكان البعض الآخر قد جاء السجن دون هدايا لأن المطر سيتلفها حتما غير أن كلا الأمرين: اختصار فترة الزيارة والتخفف من الهدايا لم ينطبقا على “أم الوحيد” عند مدخل البوابة الرئيسية طلبت من “الحارس” أن يضع علبة الحلوى على كومة الأغراض بين يديها ولأنها كانت تطلب ذلك بأمومية يصعب على أقسى الجلادين أن يقاومها فقد استجاب لطلبها لكنه أضاف تعبيرا عن اضطرابه إذ وجد نفسه نهبا لمشاعر متناقضة بين طيبة المرأة وإملاءات طبيعته العدوانية: والله ذبحتينا ابنج شبع موت، تجمدت في لحظة كأنها “أبد” كان وقع كلمة الموت على جسدها ان ارتج قليلا ثم عاود - جسدها - المشي مستجمعا كل قواه ليتماسك تماما كمن يتلقى رصاصة غير منتظرة في مدخل البوابة الداخلية سمعت العبارة ذاتها بصياغة مختلفة: “حجر على الرأس” من جهة أخرى لم يحسب لها حساب ولكي لا يكون قاتلا تطوعت إحدى النساء فأسندتها طيلة المسافة الفاصلة بين مدخل البوابة الداخلية وموقع تفتيش الزوار حيث كانت أسنان أحدهم بانتظارها كنصل صدئ وهو يقول: “لو كان ابنج (ابنك) عدل أي (حي) ما قبل أي (ما وافق) تتبهدلين هاي البهدلة” خطوتان فثالثة وسقطت منها الأغراض تباعا قرب أقرب مجموعة من معارفها السجناء، طلبت القليل من الماء وقبل أن تصل حافة الكأس الى شفتيها، فارقت الحياة·.

�����
   
�������   ������ �����
الذكرى 94 لصدور "برنكيبيا ماتيمانيكا"
برتقالة الدكتور مصطفى جواد!
الانتخابات العراقية·· مفتاح العملية الدستورية
أول بيان يرسي قواعد جديدة وثابتة بين البلدين
قراءة عراقية في البيان الكويتي العراقي
بمناسبة ذكرى الغزو الغاشم
قراءة في وثائق الدبلوماسية الكويتية
الفضائية الكويتية صوت العراقيين الذين لا صوت لهم
الفضائيات العراقية تكسر احتكار الفضاء
محاكمة صدام حسين والقضاء المستعجل
وثيقة تنشر للمرة الأولى
صدام حسين أمام محكمة الشعب عام 1959
نساء العراق بريئات من صدام حسين
دفاعنا عن الكويت يعني دفاعنا عن الحقيقة
نداء عاجل
فشلت المؤامرة وانتصر العراق
الوحدة وتسليم السلطة في العراق
أضواء على التعداد العام في العراق
خطوة كويتية جديدة باتجاه العراق
انتصار الرياضة العراقية
المواطنية والوطنية والولاء
أضواء على مهمة الأخضر الإبراهيمي في بغداد
أطروحتان لمساعدة الشعب العراقي
الاستثمار الكويتي في العراق
حدث تاريخي بارز في الحياة السياسية الكويتية
الذكرى الرابعة لندوة مستقبل العلاقات الكويتية العراقية
قراءة من منطلق رؤية فيزيائية فلسفية
كيف وإلى أين يسير الوضع في العراق؟
  Next Page

في انتظار القرار الجديد:
د.عبدالمحسن يوسف جمال
الدماء فوق فيلكا الوديعة:
سعاد المعجل
الدوائر الانتخابية والمصلحة الشخصية:
د· نايف السهيل
أمريكا لا تستطيع أن تمنع إنسانا يريد أن يفجر نفسه:
يحيى الربيعان
أمريكا لا تستطيع أن تمنع إنسانا يريد أن يفجر نفسه:
يحيى الربيعان
أحداث متوقعة!:
عامر ذياب التميمي
الماضي وفيلكا:
المحامي نايف بدر العتيبي
كلاكيت ثاني مرة·· فلسطين عبر الكويت:
عادل الطخيم
··· ومنها إلى دعاة حقوق الإنسان:
عبدالله عيسى الموسوي
على كل امرأة أن تقرأ فاجعة هذه المرأة العراقية... حقائق القسوة وأعماق الأمومة:
حميد المالكي
تطور العلاقات الصينية - البحرينية:
رضي السماك