|
لو تصفحنا أدبيات المعارضة العربية، من إسلامية أو تقدمية، قبل الانتقادات العلنية التي صدرت من أطراف في الإدارة الأمريكية لبعض الأنظمة الصديقة لها في المنطقة، لوجدنا أن هناك حجة متكررة تحاجج بها تلك المعارضة وملخصها أن أمريكا غير جادة في نشر الديمقراطية في المنطقة العربية بدليل أن تلك الأنظمة العربية الصديقة لها - أو التي تعتمد في بقائها عليها - إما أنظمة استبدادية بالمطلق، أو أنها أنظمة تفتقد لمواصفات ديمقراطية أساسية· ويحاجج هؤلاء - وهم محقون - بأن أمريكا تستطيع الضغط على أصدقائها لإقناعهم - أو لإجبارهم - على إدخال إصلاحات سياسية على نظمهم البالية·
وبالمثل جادل هؤلاء مراراً وهم ينتقدون السياسة الأمريكية في عدم مد يد العون للشعب العراقي حينما هب في ثورة عارمة في مارس 1991 بعد تحرير الكويت· ويؤكدون - وهم محقون أيضاً - كيف تخلت أمريكا عن هذا الشعب المسكين وسمحت للنظام العراقي باستخدام طائراته المروحية للقضاء على تلك الثورة المغدورة ولم تحرك ساكناً·
والآن تنادي الولايات المتحدة الأمريكية بإدخال إصلاحات في بعض النظم الصديقة لها، لأن تلك النظم كانت بيئة خصبة - ومازالت - لتفريخ شخصيات مثل بن لادن وتنظيمات مثل تنظيم القاعدة· وهي أيضاً اقتنعت أخيراً أن بقاء صدام حسين مضر بمصالحها، فهي قد أبقته بعد حرب تحرير الكويت طمعاً في إدامة التوازن الإقليمي وحفاظاً على الأوضاع القائمة· أما وقد حل ما حل بعد الحادي عشر من سبتمبر، فإن الحسابات قد اختلفت· إذ إن مثل هذا النظام أصبح قادراً على نقل المعركة إلى عقر دار أمريكا، بثمن بخس وبمجهودات متواضعة، وذلك عبر التنسيق مع الحركات المناوئة لأمريكا ومساعدتها مادياً ولوجستياً أو غيرها·
إذن، موقف الولايات المتحدة الحالي - ولأسباب خاصة بها - يحقق جزءاً من برنامج تلك القوى العربية المعارضة، والمنطق يقول إنها ستوافق - ولو جزئياً وبتحفظ - على الطروحات الأمريكية·
لكن، من الملفت أن ترفض تلك القوى المعارضة، التوجهات الأمريكية جملة وتفصيلاً متذرعة “بمبدأ السيادة” وعدم جواز التدخل بشؤون الغير وترك الشعوب العربية تقرر مصيرها وتقيم الأنظمة التي تحلو لها، بل وصل الحد ببعض تلك القوى بالوقوف في صف تلك الأنظمة الاستبدادية “نكاية بأمريكا” !!
وهذا يقودنا إلى نتيجة واحدة: وهو أن موقف هذه القوى المنتقد لأمريكا لعدم “ترتيب بيوت أصدقائها العرب” أو لتخليها عن مساعدة ثورة الجنوب وتركها نظام صدام قائما، هو موقف مزايدة سياسية، وليس موقفاً مسؤولاً، يستفيد من المتغيرات الدولية والمنعطفات التاريخية، ويوظفها سعياً لتحقيق نقلة نوعية في حياة المجتمع العربي·
alyusefi@hotmail.com |