|
في بداية السبعينات، أدخل النظام العراقي الحالي العراق الى حلبة سباق التسلح في المنطقة لبناء ترسانة عسكرية لا تحتاجها البلاد أصلا إزاء المخاطر الفعلية التي تهددها دفاعا أو هجوما وبشكل محموم لامتلاك علوم بناء الأسلحة الفتاكة والمحرمة دوليا، لم يشهد تاريخ العراق مثيلا للإنفاق العسكري في كل عقوده الماضية وكلفت على حساب مستقبل أجيالنا بلايين الفوائد الإنسانية والتنموية لبناء بلد عصري متقدم· إنه الطموح والجنوح للتوسع وفرض الإرادة المريضة على الآخرين دون مسوغ، إذ ما حاجة العراق لمئة مصنع كيماوي وجرثومي؟
عرف المختصون الأسلحة الفتاكة وفق أساسين أولهما: أسلحة الدمار الشامل (نووية أو هيدروجينية أو نيترونية) وهي تدمر كل شيء في الحياة، ولا تؤثر في الأبنية والأسلحة وغيرها· لذا اهتم النظام الصدامي بما يلي:
أولا: السلاح النووي
يعتمد البرنامج النووي على تشغيل مفاعلات بوساطة وقود اليورانيوم لاستخدامات سلمية في المجالات الصحية وتوليد الطاقة الكهربائية وكمصدر بديل (للحصول على الطاقة) عن المصادر الأخرى وفي الوقت نفسه يمكن تفعيل اليورانيوم وتخصيبه في وضعه الطبيعي محدد النشاط بـ (%0,7) الى (%93) لصنع قنابل نووية والعملية الأخيرة هي الأكثر تكلفة لحاجتها الى منشآت متعددة، ولم يستطع العراق الحصول إلا على مفاعل فرنسي بدائي لتخصيب اليورانيوم فيه وهو من المخلفات القديمة للبرامج الفرنسية النووية مما جعل نجاح البرنامج النووي العراقي في محنة مع خسائره، تركه النظام آنذاك للتجارب مع ضعف نسبة أمان العمل فيه قرب بغداد ثم اشترى النظام مفاعلا روسيا للتسريع في تحقيق رغبته بامتلاك قنبلة نووية·
إن التقنية النووية معقدة، ومع صعوبة الحصول على مفاعلات ومنشآت ومعامل ملحقة مضمونة من الاشعاع النووي في علاقة تجارية سرية بين أجهزة النظام ومصادر البحث والتجهيز الرئيسية تجعل من حلم النظام مستحيلا رغم المليارات التي يدفعها·
ولذلك جازف النظام بكل ما يمكن أن يخلقه برنامج مهلهل لا يحترم أبسط قواعد الأمان لحياة السكان وبدأ برنامجه النووي المعروف·
يحتاج صنع الأسلحة النووية وقودا نوويا (يورانيوم مخصب) بكمية أكبر منه للتجارب السلمية وتقنية أكثر توسعا وتعقيدا لخطورة هذا السلاح·
وقد استورد النظام كميات يورانيوم معلنة رسميا بعد حرب تحرير دولة الكويت الشقيقة بـ >11 كغم مخصبة من المصدر بنسبة %80 ومن روسيا بالتحديد و36 كغم منه مخصبة من فرنسا بنسبة %93 وهي أكثر تكلفة لو خصبت في العراق بالمنشآت التي اشتراها النظام لهذا الغرض، لكن النظام لم يستطع الانتظار لإنتاج قنبلة نووية في مفاعل التويثة الروسي والفرنسي كما أن استخدام اليورانيوم المخصب بنسبة %93 كوقود في المفاعلات لفترة من الزمن يستهلك (ينصب) بعضا من خصوبته ونشاطه ويصبح مشعا ومضرا بدرجة أكبر وهو ما يتطلب توفير معامل خاصة أخرى لإعادة معاملته واسترداد خصوبته وهو ما يستهلك بعضا من كمياته التي تحتاج أيضا لاستيراد كميات أخرى منه وهكذا دواليك· ويخلف استهلاك وقود اليورانيوم نفايات نووية مشعة تحتاج حاويات وطرق حفظ وخزن ونقل خاصة وأماكن خاصة لدفنها فيها، وقد اشتراها النظام لدفن تلك النفايات في الصحراء الغربية بين العراق والسعودية·
لقد أثبتت تجارب البحث عن آثار أمراض حرب الخليج الثانية (السرطانية خصوصا) إن هذه الاشعاعات تؤثر في البشر 30 مرة أقوى وأكثر مما يتعرض له العاملون في المفاعلات نفسها؟ وكان قد كلف البرنامج النووي العراقي بحدود 30 مليار دولار دون فائدة إنسانية ترجى من هذا البرنامج المدمر بل وما زال النظام العراقي مستمرا في جهوده الحثيثة ومن خلال ما يناله من الأموال والموارد التي يحصل عليها من التهريب في محاولة لإدامة بحوثه السابقة وإعادة الحياة لبرامج صنع الأسلحة النووية، وهو ما اعترف به أحد علماء آخر برنامج النظام والذي هرب الى خارج العراق أخيرا·
ثانيا: السلاح الكيماوي
يملك العراق حاليا (حسب اعترافاته أمام لجنة التفتيش الدولية) 41 معملا لإنتاج هذا السلاح وبإمكان هذه المصانع أن تعيد نشاطها العادي للإنتاج خلال أسبوعين فقط عند رفع الحصار عن النظام· لقد أنتج العراق مواد كيماوية قبل عام 1982 وهي سنة بداية استخدام هذا السلاح ضد القوات الإيرانية للمرة الأولى وكان أول نوع من هذه المواد هو غاز الخردل وسائله ثم أنتج العراق واستخدم لاحقا في عام 1984 غاز السارين المعروف بغاز الأعصاب، أما مجمل ما أنتجه النظام من المواد الكيماوية فكان أ - غاز الخردل 3080 طنا ثم تدمير %19 منها فقط بإشراف لجان التفتيش منذ عام 1991 ب - غاز تابون 250 طنا تم تدمير %12 منها فقط بإشراف لجان التفتيش· ج - غاز سارين 812 طنا تم تدمير %8 منها فقط بإشراف لجان التفتيش· د - مادة (vx) 250 طنا لم يعرف مصيرها ولم يتم العثور عليها إلى الآن مع باقي المواد وغازات الخردل وتابون وسارين·
ثالثا: السلاح البيولوجي
ويملك العراق حاليا 40 مصنعا لإنتاجها تقول مصادر الأمم المتحدة إن العراق تمكن من إخفاء معداتها بالكامل عدا مصنع واحد تحت المراقبة وبإمكانه الآن إنتاج 350 لترا أسبوعيا من محلول (انثراكس) المركز· إن السلاح البيولوجي يستخدم (جراثيم وفيروسات) قاتلة للإنسان والحيوان والنبات وتمكن النظام في السنوات السابقة من إنتاج الكميات والأنواع التالية لهذا السلاح:
أ - مادة بتولنوم (تسبب الشلل ثم الموت) أنتج منها 19000 لتر·
ب - مادة انثراكس (تدمر الجهاز التنفسي ثم الموت) منها 8500 لتر·
ج - مادة افلاتوكسين (سرطان الكبد والموت) أنتج منها 2200 لتر·
د - مادة رئيسين (شلل الدورة الدموية والموت) غير معروفة الكمية·
ذ - غاز الكنكرين (تآكل الجلد والأعضاء تؤدي الى الموت) غير معروف الكمية·
و - مادة عفن الحنطة (تدمير وتلف المحاصيل الاستراتيجية للسكان في المزارع والمخازن) ويدعي النظام الى الآن بأنه أتلف تلك المواد إضافة لما أتلفته لجان التفتيش لاحقا؟
لقد تعامل النظام العراقي مع 700 شركة عالمية لشراء المواد الأولية ومختبراتها ومصانعها لإنتاج تلك المواد الكيماوية والجرثومية وأنفق عيها مليارات غير معلومة تحديدا·
وإن كنا قد تساءلنا عن ما يقارب 200 مليار دولار أنفقها النظام في برامجه التدميرية وأخفاها عن التنمية المدنية والسلمية في البلاد فإن هذه البرامج الثلاثة وحدها أخذت معظم تلك النفقات حيث يدفع النظام للشبكات السرية لتهريب الممنوع منها دوليا أضعاف قيمتها الحقيقية كي توضع بين يديه الآثمتين، بينما يدعي النظام حاليا أنه لا يمتلك المبيدات اللازمة لمكافحة الآفات الزراعية؟·
رابعا: الصواريخ البالستية
لد استخدم نظام صدام الأسلحة الكيماوية بكثافة في حربه ضد إيران عبر تعبئتها في رؤوس الأعتدة التقليدية المستخدمة في أسلحة المشاة (الهاونات) وفي سلاح المدفعية وصواريخ الطائرات وهذه الأعتدة جميعها بالنسبة لطموحات النظام قليلة التأثير ومحددة المواقع·
ولذلك اهتم النظام ببرنامج لتطوير الصواريخ بعيدة المدى وبدأها بصواريخ (فروغ) الروسية وتطور اهتمامه عند حصوله على معدات وأجزاء قطع صواريخ "سكود" ذات المديات الأبعد، والتي يتجاوز مدى بعضها أكثر من 1000 كيلو متر ومن خلال أطراف عربية وشركات دولية استطاع النظام توفير كل مستلزمات إنتاج صواريخ ذات دفع ومديات كبيرة من روسيا والصين ودول المعسكر الاشتراكي السابق وأنشأ برنامجا كبيرا باستخدام 9000 خبير عسكري روسي وألماني وأنتج صواريخ "العباس" و"الحسين" وصاروخ لاطلاق الأقمار الصناعية المسمى "العابد"·
خامسا: الأسلحة التقليدية
اهتم نظام صدام أيضا بصناعة الأسلحة التقليدية عبر شرائه لمصانعها من روسيا ومن تجميع أجزائها في المنشآت التي استوردها ومنها أسلحة المشاة كافة مع أعتدة المدفعية الثقيلة وهذه وحدها كلفت العراق خلال السنوات من 1981 - 1988 مبلغ 2 مليار دولار·
ولقد حول النظام مجمع الاسكندرية للصناعات الميكانيكية وهو من مشاريع خطة أعوام 1961 - 1965 الى مجمع عسكري يحوي منشآت تصنيع عسكري تحت مسميات >حطين< و>اليرموك< وغيرهما· وكان الهدف الأعظم للنظام من هذه البرامج جميعها إنتاج أسلحة دمار بكل أنواعها ويمكنها التأثير على أبعد المناطق عن العراق مما لا يتطلبه الأمن الوطني وسيادة العراق بل تتطلبه كما هو ظاهر طموحاته التوسعية في المنطقة والعالم· |