| تُعّرف الفلسفة الصدفة بأنها ليست من دون سبب، إن سببها ليس الشيء نفسه وإنما في خارجه، في الظروف والأوضاع الخارجية· فلو بذرنا بذرة نبات في الأرض فإذا ما وجدت الماء والحرارة فإنها ستنبت ولكن يمكن أن يسقط صقيع وأن تموت النبتة فهل هذان الحادثان: إنبات البذرة وموت النبتة حتميان؟
كلا، ليس الاثنان حتميين· إن التجربة اليومية تدلل على أن إنبات البذرة في ظروف معينة أي إذا ما وجدت الرطوبة والحرارة الملائمتين هو حتمي، فهذه هي طبيعة النبات، أما فيما يتعلق بالصقيع فهو يمكن أن يوجد ويمكن ألا يوجد، ويمكن أن يحطم النبات ويمكن أن يسبب له أضرارا فقط· إن سقوط الصقيع لا ينشأ نهائيا عن طبيعة النبات وفي ظروف معينة فإنه ليس حتميا بالمرة وإن أي علم ينبغي أن يتجه أولا وقبل كل شيء الى معرفة الضرورة وبهذا المعنى يقال إن العلم هو عدو الصدفة، فمهمة العلوم الاجتماعية مثلا هي معرفة الضرورة الموضوعية لتطور المجتمع وعلى أساس هذه الضرورة المعروفة تتم إعادة بناء النظام الاجتماعي· غير أن العلم لا يمكن أن يهمل الصدفة ذلك أن الصدف موجودة ولها تأثير معين على مجرى عمليات الواقع وعلى العلم أن يقي الإنسان من تأثير الصدف الضارة·
ففي يوم من أيام الحقبة الأولى التي تسلم فيها صدام حسين وزبانيته مقاليد السلطة الفعلية في بلادنا العزيزة، استعان الضابط المتقاعد ثامر الحمداني بعامل دهان ليعمل على تجديد صباغة منزله في مدينة الضباط ببغداد وتركه يعمل في المنزل بعد أن اتفقا على الأجر، لكن مقادير المصادفة العجيبة شاءت أن تقع يد العامل الدهان على كوة خفية في جدار في المنزل، مد يده إليها فإذا بداخلها رزمة ملفوفة· لم يكن ذلك العامل أمينا إذ إنه سرق الرزمة متأملا بأنها ستكون مليئة بالنقود، لكنه لم يجد فيها غير أوراق تحتوي أسماء وبلاغات سياسية·
هذه المصادفة العمياء عزيزي القارئ قادت جمعا من ثلاثمئة ضابط الى مصير مجهول في معتقلات صدام السرية· وبطريقة ما وصلت تلك الرزمة الى يدي صدام وتبين أن تلك الأوراق التي سطا عليها العامل تتضمن أسماء ثلاثمئة ضابط بين متقاعد ومستمر بالخدمة يرتبطون بتشكيل تنظيمي يقوده اللواء الركن عبدالعزيز العقيلي - العسكري اللامع ووزير الدفاع الأسبق· وما هي إلا أيام معدودات حتى أصبح كل هؤلاء خلف القضبان ليتعرضوا الى شتى صنوف التعذيب الوحشي·
نقل عبدالعزيز العقيلي من سجن رقم (1) الى قصر النهاية المشؤوم حيث يتعرض الى التعذيب كل يوم ورغم ذلك فقد أبدى شجاعة نادرة وصمودا بطوليا في وجه جلاديه مما جعله يحظى بتقدير واحترام جميع المعتقلين على اختلاف اتجاهاتهم السياسية· بعد مرور عامين على اعتقاله أحيل العقيلي الى ما يسمى بـ “محكمة الثورة” ليتم الحكم عليه بالسجن المؤبد لتبدأ رحلة عذابه وصموده في سجون صدام البشعة، ومن سجن “أبو غريب” وفي زنزانته المظلمة الضيقة كان اللواء عبدالعزيز العقيلي يكتب رسائله السرية الى رفاقه خارج السجن يحثهم فيها على مواصلة الكفاح لإسقاط النظام الدكتاتوري المتعفن·
كان الشرفاء من أصدقائه ومعارفه يقبلون على زيارته في معتقله، وحاول أن يثنيهم عن تلك الزيارات والاكتفاء بالرسائل المتبادلة فيما بينهم إلا أنهم أصروا على زيارته من أجل الاطمئنان عليه وتقديرا لمواقفه البطولية في مواجهة زبانية النظام· ولم يعبأ الشهيد العقيلي بالسجن ولا بصنوف التعذيب الوحشية وكل ذلك زاده إصرارا على موقفه وعلى العمل لإسقاط النظام وإن كان ذلك من خلف القضبان·
وإزاء هذا الإصرار وتلك الصلابة بدأ الجبناء أزلام صدام إعداد العدة للتخلص منه· وفي صباح يوم رطب غائم بارد كان اللواء العقيلي ممددا على أرض الزنزانة المعتمة لكن دون حركة وقد كست جسده البارد زرقة فاقعة لقد قتله الجبناء بسلاحهم الخسيس الأعمى، قتلوه بالسم الزعاف وفيما يلي قائمة بأسماء بعض من أعدموا لاشتراكهم في التنظيم الذي يقوده اللواء العقيلي:
1 - رشيد مصلح - لواء متقاعد - وزير داخلية سابق - حاكم عسكري عام سابق·
2 - مدحت الحاج سري - عميد متقاعد·
3 - صالح مهدي السامرائي - عقيد متقاعد·
4 - فاضل مصطفى أحمد - عقيد ركن·
5 - داود عبدالسلام الدركزلي - عقيد ركن·
6 - جابر حسن حداد - عقيد متقاعد ومحافظ سابق·
7 - عباس جواد اللامي - مقدم شرطة متقاعد·
8 - رافع درج كعود - ملازم أول·
9 - نشأت عسكر - ملازم·
10 - صفوك الريكان - نائب ضابط حربي مسرَّح·
11 - عدنان حسين - ملازم·
12 - علي صالح خضير الشرشاح - رئيس عرفاء سرية·
13 - الدكتور نظام الدين عارف - دكتوراه زراعة·
14 - كامل محمد الحسن·
15 - زكي عبدالوهاب·
16 - عبدالله محمد الخياط·
17 - سعد شاكر فهمي·
18 - البير نونو·
19 - محمد مطاوع الحسامي·
20 - محمد رشيد محسن الجنابي·
وتم إعدام 56 شخصا آخرين بعد محاكمة صورية ونفذت فيهم أحكام الإعدام فور الانتهاء من محاكمة كل وجبة وفي غرفة المحكمة نفسها وخلال مدة 48 ساعة من تشكيل المحكمة· |