| نكاد نجزم بأن العمل الوطني في أدنى درجات نشاطه، وفي أقل مستوى من مستويات حيويته، وفي أكثر مراحل انحساره شدة· الأمر الذي يقتضي من كل العناصر الوطنية إيلاء هذه الظاهرة اهتماما، من حيث مناقشة أسبابها وإيجاد السبل للخروج منها· ذلك أن نشاط وحيوية وانتشار العمل الوطني قد أثمر الدستور والحياة النيابية والحريات التي نتمتع بها جميعا والتي ميزتنا عن غيرنا من المحيطين بنا منذ نصف قرن تقريبا· ولأن انحسار العمل الوطني وخموله وفقدانه لحيويته خلال العقود الثلاثة الأخيرة قد أدى الى إفراغ الدستور من محتواه الديمقراطي، وإلى جمود العمل النيابي وتحوله إلى “عملية تسول” على باب الوزراء يقوم بها معظم النواب إرضاء لناخبيهم، فضلا عن تراجع أو تباطؤ تطورنا الاجتماعي والسياسي حتى غدت الكويت متخلفة عن ركب شقيقاتها الخليجيات في نواح كثيرة رغم عراقة تجربتنا الديمقراطية وأسبقيتنا في الاستفادة من الثروة البترولية·
إن هذه العلاقة القائمة بين صعود العمل الوطني وازدياد مساحة الحرية والديمقراطية واستقامة الحياة النيابية من جهة، وبين انحسار العمل الوطني وتقلص هامش الحرية والديمقراطية واعوجاج الممارسة النيابية من جهة أخرى هي التي تدفعنا الى البحث عن السبل وإيجاد الوسائل وطرق كل الطرق التي نستطيع من خلالها استنهاض العمل الوطني ووضعه في إطاره الطبيعي الذي يتناسب مع المرحلة التاريخية الجديدة، بأيديولوجيتها ووسائل عملها وأساليب تعاطيها مع القضايا·
إذ لم تعد الأساليب القديمة مجدية في القرن الحادي والعشرين، ولم تعد الاصطفافات والاستقطابات التي كانت موجودة على المسرح العالمي قائمة· أما الناحية الأيديولوجية والفكرية فلعلها من أصعب الأمور التي يمكن الاتفاق على تفاصيلها· وربما كان معيارنا هو ذلك الفكر الذي يخدم جمهورا واسعا ويحقق طموحات الغالبية ويجسد مصالحها فالمساواة غايتنا، فيها تتحقق العدالة· ويقينا لا يقوى الفكر الليبرالي على تحقيق ذلك، فآليات السوق الحر لا بد وأن تؤدي الى خلق التفاوت الاجتماعي والاستقطاب الطبقي·
إننا نريد استنهاض العمل الوطني لنواصل مسيرة التقدم التي ابتدأناها منذ نصف قرن تقريبا والتي أخذت تتباطأ بل أخذت تجمد خلال العقود الثلاثة الماضية وما مر به مجتمعنا من أزمات داخلية كأزمة حل مجلس الأمة 76، وأزمة المناخ 1982 والحل الثاني 1986 والغزو 1990 وما تخلل عقد الثمانينات من حرب ضروس كانت رحاها تدور على أبوابنا واستمرت 8 سنوات وانعكاسات تلك الحرب العراقية الإيرانية على نسيجنا الاجتماعي وإثارة الطائفية وغيرها·
فلا يمكننا أن نرتضي بأحوال مجتمعنا ولما يبلغ عددنا المليون نسمة، نعيش على رقعة من الأرض لا تزيد عن السبعة عشر ألف كيلومتر مربع بثروة هائلة تكفي أضعاف أضعاف عددنا·
ثم إننا لا يمكن أن نرتضي أن نعيش بهذه الأحوال وشعبنا شعب متعلم، إذ إن نسبة الأمية تكاد لا تذكر بين صفوفه، ومتعلموه الذين يتلقون التعليم العالي يزيد عددهم عن الثلاثين ألفا من الطلبة والطالبات· وجامعتنا يدّرس بها أكثر من 500 من الأساتذة الكويتيين الحاصلين على الدكتوراه، والمرأة فيها تعمل الى جانب الرجل بنسبة تزيد على %35 من القوة العاملة المحلية وبعدد يفوق الـ 80 ألفا من النساء الكويتيات اللواتي يعمل أكثر من 30 ألفا منهن بمهن مؤهلاتها الشهادة الثانوية فما فوقها·
إذن نحن أمام حالة تستدعي التفكير بصوت جماعي ومرتفع لعلنا نضع بصماتنا على أول الطريق فنملأ النفوس أملا وتفاؤلا بعد أن ملئت يأسا· |