| يقول البروفيسور جاك بيرك: “لا شيء عسير عن الفهم ولا توجد مشكلة معقدة بل هناك مشكلة ناقصة التحليل، فعلينا إذن بالتحليل” وفي الفلسفة فإن المعرفة المبدعة أرقى أشكال الوعي الاجتماعي ويقول جوزيف متزيني بطل الوحدة الإيطالية: “اشخذوا إرادتكم لتصحوا فطالما فعلت ذلك وحالفني النجاح”!
إذن هناك قاسم مشترك ورابطه لا انفصام لها بين العوامل الثلاثة المذكورة أعلاه: التحليل والمعرفة المبدعة والإرادة فلا تحليل صائب ومتكامل وشامل دون معرفة مبدعة ولن يتحقق ذلك كله دون إرادة صلبة ويقظة ومثابرة وإذا طبقنا ذلك على القضية العراقية والوضع العام في العراق لوجدنا أن نظام صدام ينهار وبسرعة خارقة، ينهار سياسيا، ينتحر عسكريا، يتآكل اجتماعيا، ينهار اقتصاديا، يفلس إعلاميا ويندحر ثقافيا وينعزل دبلوماسيا لكن أساس ذلك الانهيار وكقاعدة له هو تآكل القاعدة الاجتماعية له·
وفي هذا الإطار تقول مصادر المعارضة العراقية: تتجلى أزمة النظام الصدامي بمعناها الأضيق في التمركز المتزايد للسلطة بيد مجموعة متضائلة من أفراد العائلة الحاكمة ونجم عن ذلك تنامي الصراعات بين أركانها إذ تتخذ تلك الصراعات في بعض منها صدامات وتصفيات دموية علنية وسرية إضافة الى التناقضات بين أطراف الحكم عموما وهذا ما ثبتته وبالملموس نتائج المؤتمر الثاني عشر لحزب السلطة في مايو عام 2001· كما تتجلى في الضعف النسبي لقاعدة النظام الاجتماعية التي غدت صيانتها وتجديدها وتغذيتها مهمة يومية ينهض بها رأس السلطة ويسهر على تنفيذها قبل غيره ويشكل منتسبو الأجهزة الحزبية والأمنية والعسكرية الخاصة الذين تجمعهم المجابهة الدائمة مع جماهير الشعب وقمعهم اليومي للشعب يشكلون حجر الزاوية في هذه القاعدة مع فئات حضرية وريفية ومجموعات عشائرية مرتبطة بتلك الأجهزة، ونجم الانحسار الذي عانته هذه القاعدة في السنوات الماضية عن تضاؤل تأثير الدوافع العقائدية على منتسبيها وهبوط عام لمعنوياتهم وعزوف المواطنين عن الانضمام الى حزب السلطة وتأثير تصاعد عمليات المقاومة الباسلة على منتسبي تلك الأجهزة وتصفية الكثير منهم وأدى ذلك الى انفلات أمني لا سابق له والى تراخي القبضة الحديدية لتلك الأجهزة وبداية تصدعها وتآكلها إضافة الى استمرار هروب منتسبيها مدنيين وعسكريين من الخدمة الى داخل العراق أو خارجه أو الى منطقة الشمال المحررة ونتيجة لذلك كله طرأ مزيد من التغيير على طبيعة العلاقة التي تربط القاعدة الاجتماعية بالنظام وحولها أكثر فأكثر الى علاقة ارتزاق وانتفاع مجردين حين حاول النظام إيقاف ذلك التآكل والانهيار عبر “المكرمات” و”الأوسمة” و”الهبات” وهي رشاوى علنية كهدايا السيارات والأموال والامتيازات وغيرها وقد فشل هذا الأسلوب أيضا واستمر التآكل والانهيار·
وفي هذه الأجواء، أجواء الضغط الإعلامي الهائل وبدرجة أقل الضغط السياسي للولايات المتحدة الأمريكية بخاصة وبريطانيا على نظام صدام والتسريبات بضرورة التخلص من نظام صدام وأن هناك خططا وسيناريوهات واجتماعات وغير ذلك الكثير والذي لا يمكن إحصاؤه أو مواكبة حركته القصوى فإن لقوى المعارضة العراقية نصيباً وافراً من تلك الأنشطة الموجهة ضد نظام صدام والتي تجلت عبر نشاطاتها في مراكزها الرئيسية في كل من لندن ودمشق وغيرها من العواصم، ولقد استفادت المعارضة من هذا الضغط الأمريكي - البريطاني وانتعشت بأجوائه وبما تحمله من آمال وتباشير الخلاص من نظام القتلة في بغداد، فراحت تعقد المزيد من الاجتماعات والندوات والاستحضارات والاتصالات الدولية والإقليمية، وضع الجميع في جوهر القضية العراقية وفي أعماق ما يحدث في داخل العراق مع تصعيد المقاومة المسلحة والسلمية داخل العراق· أما نظام صدام فإنه بدأ استعداداته واستحضاراته عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر الماضي في نيويورك وواشنطن مباشرة”·
وتشير أحدث التقارير الى أن نظام صدام وأجهزته يعيشون حالة لا نظير لها وغير مسبوقة من الرعب والهلع والجزع وأخذوا يرون مصيرهم الأسود مجسما أمامهم يشاطرهم النوم واليقظة·
وبرغم تقاطع وتناقض وصراع المصالح الدولية أمريكيا وأوروبيا وإقليميا لكن معظم دول العالم توافق على تغيير نظام صدام بشرط ضمان مصالحها وعدم الإضرار بها·
أما العامل الإقليمي الممثل بالدول الإقليمية وفي مثل هذه الأجواء فإن دورها بقي دور المراقب ولم يرتق بعد الى الدور المؤثر والفاعل والمبادر بالرغم من وجود خطوات ملموسة على الأرض سواء في داخل العراق أو خارجه باتجاه إسقاط نظام صدام حسين الإرهابي، ولكن شعبنا العراقي وقواه المعارضة بحاجة الى مواقف وإعلانات رسمية وصريحة لنعرف من هو مع إبقاء نظام صدام ومن هو مع تغييره وهذه فرصة تاريخية ينبغي اغتنامها واستثمارها من أجل دعم وإنعاش دعوات التغيير الساخنة القائمة الآن، ومن أجل دعم كفاح شعبنا وقواه المعارضة إذ لم يبق في الوقت متسع فالأحداث والتطورات والمستجدات تجري بسرعة خارقة ولا مجال للتردد والتنظير· وفي هذا الإطار تنقل المصادر أن المرشح والذي يحظى بتأييد الإدارة الأمريكية لقيادة عملية التغيير في العراق هو اللواء فوزي الشمري الذي غادر العراق الى ألمانيا عام 1986 ثم الى المغرب فالولايات المتحدة الأمريكية واستقر في مدينة نيويورك رئيسا للبيت العراقي·
وفي أحدث تصريح له أكد العميد فوزي الشمري - الأمين العام لحركة الأحرار العراقيين المعارضة - اكتمال الجزء الأكبر من الاستعدادات لعقد مؤتمر الضباط العراقيين المقيمين في الخارج والذي سيعقد في منشأة عسكرية بالولايات المتحدة الأمريكية وأن مهمة المؤتمر هي وضع خطة لإسقاط نظام صدام من خلال تحديد مهام القيادات العسكرية والأركان والتي تتولى تنفيذ الخطة وتشكيل لجان تتولى عمليات الإسناد والتعبئة والإعلام والإشراف على الحرب النفسية ولم يستبعد الشمري الانضمام في وقت لاحق الى عملية عسكرية تخطط لها الإدارة الأمريكية لإسقاط نظام صدام·
من جهة ثانية أعلن أن الخارجية الأمريكية تخطط لعقد مؤتمر للمعارضة العراقية منفصل عن مؤتمر ضباط الجيش المذكور أعلاه ويشكل المؤتمران جزءا من حملة أمريكية لممارسة الضغوط والتخلص في نهاية الأمر من صدام حسين الإرهابي· ولكي لا يكون خطابنا مكررا فإن مواقف كل قوى المعارضة العراقية أصبحت معروفة وموثقة من قضية إسقاط نظام صدام الإرهابي والبديل الذي سيخلفه، فإنه لا بد من إيضاح موقف الغالبية العظمى من أبناء شعبنا العراقي المستقلين عن أحزاب وحركات المعارضة، هؤلاء الناس البسطاء الذين يطحنهم نظام صدام ويبيدهم ويذلهم فإنهم مع إسقاط نظام صدام بأي وسيلة ومهما كان ثمنها فادحا وإن الغاية تبرر الوسيلة أصبح الشعار الذي لا بد منه بعدما وصلت الأوضاع في داخل العراق الى أوضاع لا تطاق وأصبح من المستحيل التفريق بين الموت وتلك الأوضاع الكارثية المرعبة، وهذه حقيقة جوهرية وعضوية وصارخة نسجلها للتاريخ بعيدا عن التنظير والميوعة والترف الفكري، فالشعب يموت ولا بد من الإسراع بإنقاذه وبأي وسيلة وإحلال نظام ديمقراطي دستوري شرعي مسالم يقوم على قاعدة الضمان الكامل والمطلق لحقوق الإنسان والعدالة والسلام والازدهار· |