|
تكررت زياراتي إلى البصرة أيام الاحتلال مرات كثيرة· فقد ذهبت مع جاري محمد الحجي ومع زميلي الدكتور عبداللنقاوي ومع أخي عيسى الصراف مرات لا حصر لها· كما رافقت حبيبنا الكبير السيد محمد الرحماني (أبو أحمد) والأخ عبدالله النيباري مرة واحدة كل على حدة· وفي تلك الزيارات كنا نتحسر على حال البصرة خصوصاً وحال العراق عموماً· فكانت أحاديثنا طوال الطريق (ونحن نرى قطاعات الجيش الجمهوري على ميمنة الطريق وميسرتها) أقول كانت أحاديثنا كلها تقريبا تدور حول الإمكانات المهدورة والطاقات غير المُستغلة· ويبدو أن ذلك الأسى لم يكن حكراً علينا، بل شاطرنا فيه آخرون ومنهم الرحالة الذين زاروا تلك المدينة·
فهاهو الرحالة الإنجليزي جيمس بكنغهام، الذي زار العراق ومنها البصرة عام 1816م يخرج بالانطباع نفسه· فقد وضع كتاباً، يصف فيه أحوال العراق ترجمه سليم طه التكريتي تحت عنوان “رحلة إلى العراق” من جزأين صدرا تباعاً عامي 1968 و1969·
يذكر المؤلف - فيما يذكر - عدد سكان البصرة فيقول إنه يصل إلى مئة ألف نسمة· “ونصف هذا العدد - كما يذهب - تقريباً من العرب، وربعه من الفرس، والربع الباقي خليط من الأتراك والأرمن والهنود واليهود والنصارى الكاثوليك، وقلة من الأكراد الوافدين من جبال كردستان، ونسبة ضئيلة من العرب المسيحيين الذين يسمون بالصابئة أتباع يوحنا المعمدان”· أما العرب فمنهم من هاجر إلى المدينة من المناطق المجاورة فضلاً عن “بعض أعراب الصحراء القادمين من نجد والمشتغلين بالتجارة من الكويت والقرين، ذلك الميناء البحري العظيم الذي يقع في ذلك الجزء من الجزيرة العربية” ص 265 - 264· ونلاحظ أن بكنغهام في هذا الوصف يؤكد استقلالية منطقة الكويت ذلك “الميناء البحري العظيم” على حد قوله· ويتحدث عن لباس أهل البصرة وكيف أنها تختلف عن لباس أعراب نجد، والكويت والقرين الذين يرتدون ملابس “تشير إلى أصلهم الصحراوي”·
ومن الطرائف التي يحكيها بكنغهام أنه حدث ذات مرة أن وصلت إلى البصرة باخرتان أمريكيتان، فاحتار الموظفون الأتراك كيف يعاملونهما، كباخرتين أفرنجيتين أم من رعايا الدولة العثمانية· فقال بعضهم - والحديث لبكنغهام - إن هاتين الباخرتين أفرنجيتين أقبلتا من العالم الجديد - ينكى دنيا - وهو العالم الذي يعتقد أهل البصرة أن سكانه كانوا هبطوا من القمر قبل أربعمئة سنة مضت· “ص285”!!
ويرى بكنغهام الأراضي البور التي تحيط بالبصرة ويشير بأصبع الاتهام إلى إهمال الحكومة فيكتب قائلاً: “فلو كانت الحكومة ذكية، لتحولت كل هذه البقاع الصحراوية والتي تمتد إلى أقصى ما تراه العين شرقي أسوار المدينة، إلى حقول كثيرة، ولعاش الناس الذين يسكنونها سعداء”· ويضيف: أما في الوقت الحاضر، فحين يدور المرء حول أسوار المدينة ولاسيما من الجهتين الغربية والجنوبية، لا يشاهد سوى قفار لا حدود لها تمتد بلا انقطاع حتى حدود سورية، ولا يعثر نظره وهو يحدق في الأفق الواسع إلا على قمم منازل الزبير، وبعض مواقع المراقبة التي ترى في جوار تلك المدينة، وسلسلة جبال سنام “ص 288 - 287”·
هل يعقل أن تكون أحوال البصرة في مدخل الألفية الثالثة كما كانت قبل قرنين؟!! |