| في الثاني من أغسطس سنة 1990 اجتاحت القطاعات الفاشية الصدامية دولة الكويت الشقيقة في سابقة هي الأولى من نوعها منذ الحرب العالمية الثانية، حينما اجتاحت الجحافل النازية الهتلرية أوروبا، وكانت نتيجة متوقعة استناداً إلى طبيعة العدوانية الاستبدادية للدكتاتورية الحاكمة في العراق وهي تعبير وانعكاسات بل نتيجة حتمية للسياسة الداخلية القائمة على الدعاية والتضليل والشعارات الكاذبة والقمع والإرهاب الدموي ومصادرة كافة الحريات وارتكاب جرائم إبادة الجنس الجماعية والحروب العدوانية وتدمير البيئة وأطماع التوسع والهيمنة·
وبهذه المناسة الأليمة نود أن نعقد مقارنة ومقاربة بين تفاصيل المرحلة التي سبقت هجوم القطاعات الألمانية الهتلرية المتوحشة وإشعال الحرب العالمية الثانية، ومرحلة الإعداد والاستعداد التي قام بها هتلر قبل نشوب الحرب، وبين ما قام به صدام، حيث نلمس مدى المقاربة بين كلتا المرحلتين اللتين سبقتا غزو هتلر وغزو صدام، وبين الشخصيتين والذي لم يخف صدام يوماً إعجابه بهتلر وموسوليني وسالازار وفرانكو وبينوشيه إلى آخر السلسلة الجهنمية·
ففي فبراير 1938 اتخذت الخطوة الرابعة وربما الأخيرة التي اكتملت بها السلطة لهتلر والتي دفعت ألمانيا والعالم إلى كارثة شاملة··· كانت الخطوة الأولى في يناير سنة 1933 حيث أتم هتلر إعداد نفسه نهائياً كفرد للمغامرة وذلك بإعادة ترتيب وتركيب (مكتبه الخاص) أي تلك الدائرة الضيقة المحيطة به، ثم الخطوة الثانية سنة 1934 حيث بدا واضحا أن ألمانيا وقعت في أيدي مجموعة من قطّاع الطرق وأنها مقبلة على الامتحان الدموي الرهيب·
كانت الخطوة الثالثة سنة 1937 إذ جمع هتلر في قبضة واحدة بين قيادتي السلطتين المدنية والعسكرية، ثم جرى إقصاء آخر الرجال الذين وقفوا بشجاعة ضد برنامج الغزو· وكان جنرالات الجيش الألماني لم يعلموا حتى نوفمبر سنة 1937، أن قواتهم على وشك الدخول في حرب عالمية والأمر هنا عسكري، بالغ الخطورة، فالقضية لم تكن "ضرورة المعرفة" فحسب وإنما وعيهم بأحوال الجيش لم يساعدهم قط على تصور الحرب· وحين وصلت إليهم "أوامر البرنامج" كانت أشبه بصدمة كهربائية لمجموعة من المجانين وأيقن بعضهم أنهم يقودون العالم - لا ألمانيا وحدها - إلى كارثة محققة وهم لم يحتفظوا باحتجاجاتهم بين الضلوع وإنما جاهروا بالحقيقة في وجه المسؤول الأول ولكن "الرجل القوي" كان قادراً على إزاحة "أضخم الصخور" وبدأت الحرب العالمية الثانية·
ومن الأسباب الرئيسية لجريمة الغزو هي أن دولة الكويت أصبحت مركز إشعاع في المنطقة لكونها دولة تملك دستوراً دائماً من أكثر دساتير العالم تطوراً واستيعاباً لمعطيات وتطورات العصر الراهنة، وسلطة تشريعية منتخبة انتخاباً حراً ومباشراً والسلطات فيها مستقلة، ويحظى قضاؤها بالنزاهة والسمعة اللائقة، ووجود الصحافة كسلطة رابعة تكتب ما تشاء من دون حسيب أو رقيب استناداً إلى حرية الرأي والتعبير التي تتمتع بها، إضافة إلى رفاه شعبها، كما أنها لم تعتد يوماً على أحد أو تتجاوز حدود أحد أو تتدخل في شؤون أحد واختياراتهم، إضافة إلى سياسة خارجية حكيمة وواسعة الأفق شملت كافة الأقطار العربية بما حباها الله من ثروات ونعم غزيرة، وكل ذلك تعبير عما ورثه أهلها من قيم البحر والصحراء وهي التعاون والفراسة والتكامل والتآلف والتسامح والمشاركة والاستقلال وتجلى ذلك بالوقوف في وجه المحتل الذي لم يجد مواطنا واحدا يتعاون معه، وكان لصمود شعبها الذي تجلى في المقاومة والعصيان المدني وتنظيم شؤون البلاد والعباد تحت أقسى الظروف وأصعبها على الإطلاق، والتمسك بالقيادة الشرعية الدستورية المتمثلة في أسرة آل صباح، قد شكّل ذلك وغيره مأثرة كبرى وملحمة أذهلت الجميع جبرتهم على أن يعيدوا حساباتهم ويغيروا من خططهم وقناعاتهم وحاز ذلك احترام وتقدير الجميع، وأفشل خطط الغزاة الذين ظنوا سهولة السيطرة على هذا الشعب الصغير·
إن ذلك التمايز والتناقض بل والتناحر بين الكويت بلد الحرية والسلام والخير والوئام وبين نظام دكتاتوري يحكم بالحديد والنار في ظل سلطة استبدادية مطلقة، فأراد النظام أن يطفئ هذا الإشعاع فأخذ يبدد الظلمات أمام شعبنا ليشاهد ويلمس جارته الكويت وهي تعيش في ظل أوضاع تصان فيها حرية الإنسان وكرامته وسعادته حيث أصبحت مركز جذب وإلهام وملاذا آمنا للمظلومين، وطبعاً إلى جانب أسباب الهيمنة والتوسع عبر الضم والإلحاق القسري، أما الشعارات التي طبّل لها النظام وزمّر مثل "الحق التاريخي" و"الأصل والفرع" و"توزيع الثروة" و"تحرير فلسطين"! و"الوحدة العربية" وغير ذلك فهي شعارات وأقوال لا أساس لها من الصحة إطلاقاً وقد انكشفت فوراً لما أحدثه الاحتلال من تدمير للتضامن العربي والنظام العربي وما ألحقه من مخاطر جسيمة بمصائر ومستقبل البلدان والشعوب العربية كافة·
والكثير من الذين انساقوا وراء شعارات النظام اكتشفوا أنهم ضحية أضاليل النظام العراقي وأباطيله إلا منظمة التحرير الفلسطينية التي مازالت تدور في شباك وحبائل النظام الصدامي، وما تصريحات فاروق قدومي الأخيرة ضد الكويت إلا دليل على أن تلك القيادة مع الأسف الشديد - لم تتعلم الدرس ولم تسلك طريق الحق والرشاد أو أنها تتجاوز تلك الطريق بشكل تعسفي، ومازالت امتدادات ومضاعفات تلك الجريمة قائمة ومستمرة باستمرار تربع صدام وعصابته على عرش السلطة في العراق ومازال أكثر من ستمئة مواطن كويتي بريء أسرى في سجونه والذين اختطفهم ولم يُعد الممتلكات الكويتية التي سرقها ومازال يماطل في تنفيذ قرارات الأمم المتحدة ومازال يدعي الانتصارات الوهمية ومازال يعتبر (أم المهالك) من أعظم أحداث التاريخ الإنساني! ومازال يتبع أساليب الاستفزاز والابتزاز ومازال هو هو بطبيعته الإجرامية التي تزداد وحشية كل يوم، لكن البعض مازال يدعو إلى "تضامن عربي" مع صدام و"قمة عربية" مع صدام ضارباً بعرض الحائط شعبنا وكفاحه وقوافل الشهداء التي يقدمها كل يوم بل ومستقبله ومصير بلادنا الذي يتعرض لأشد المخاطر والمحن بوجود النظام·
وبدلاً من طرد النظام من الجامعة العربية مازال عضواً فيها ومازال مسؤولوه يصولون ويجولون في اجتماعاتها وقاعاتها، يسخرون من الجميع ويتغطرسون على الجميع ويشتمون الجميع ويدعون الشعوب العربية إلى الثورة على حكامها، وبدلاً من قطع العلاقات الدبلوماسية معه على الأقل عقاباً على فعلته الشنعاء وجريمته النكراء مازالت تلك العلاقات ودية ومستمرة وقائمة وطبيعية ويُستقبل مسؤولوه استقبال الرجال الميامين الفضلاء لا القتلة واللصوص، وبدلاً من دعم كفاح شعبنا والوقوف معه في محنته القاسية وثورته الباسلة والمساهمة في عزلة النظام نراه مع الأسف يقيم معه أوثق علاقات "التعاون" ويعمل وراء الكواليس للتآمر على شعبنا وإجهاض أي تحرك للإطاحة بالنظام أو إضعافه·
قد يطول الكلام لكننا لا نكرر قضايا أصبحت من البديهيات التي يعيها الجميع لأننا نحترم وقت القارئ ووعيه وعقله لكن سيأتي اليوم الذي نضع فيه نقاطاً كالجمر على حروف كثيرة وكثيرة إن شاء الله!
وخلاصة القول أن لا استقرار ولا رخاء ولا سلام ولا أمان بوجود نظام الغدر والخيانة وإن أي محاولة لتأهيل النظام وفك عزلته هي محاولة فاشلة وبائسة ومعزولة وسترتد على أصحابها عاراً ونشازاً وخزياً وطعنة نجلاء في ظهر شعبنا بل إن البعض وفي منتهى الغرابة يدعو إلى التطبيع مع النظام وعدم الإلحاح بمطالبته حتى بالاعتذار (تصّور عزيزي القارئ) لكي لا يؤثر مطلب الاعتذار الذي يرفضه النظام على "التطبيع"، فأية مأساة ابتلي بها العرب أعظم من هذه؟!! فهو بدلاً من أن يطالب بمحاكمة صدام وعصابته لما اقترفوه من جرائم كبرى، يطالب بإعادة العلاقات معه وكأن شيئاً لم يكن·
إن هذا الغمز واللمز والدوران حول جوهر الحقيقة التي أصبحت مؤكدة وثابتة وساطعة ومدعمة بألف دليل وبرهان سوف يلحق أشد الأضرار بحاضر ومستقبل البلدان والشعوب العربية والقانون والعدالة والقضية العادلة لشعبنا ولن يحصد مروّجوها غير الخيبة والخسران·
وقد سمعنا ونسمع ونتابع الكثير من أمثال تلك الأقوال والمساعي العلنية والسرية ومنذ زمن ونحن نستمع إلى اسطوانة المصالحة والمصارحة قبل المصالحة وغير ذلك الكثير·
إن شعبنا العراقي وكافة قواه وجميع قومياته قد عقد العزم على مواصلة الكفاح حتى إسقاط النظام الصدامي وإقامة نظام دستوري شرعي مسالم، ونحن كعرب لنا حق وواجب على أشقائنا العرب في تقديم أوسع الدعم وأكثره تأثيراً ومساعدتنا في كفاحنا المرير ومشاركتنا محنتنا وليكن ذلك في ذهن الجميع وأمام بصائرهم وأبصارهم، وليس لنا خيار آخر ولا طريق آخر غير خيار وطريق ومواصلة النضال حتى إسقاط النظام وتنظيف بلادنا الجميلة، مولد النور والحضارة والخصب والثراء وإن أية دعوات ومساعٍ لتجميل بشاعة النظام وتبرئته من الجرائم التي ارتكبها ومايزال هي دعوات ومساعٍ غير نبيلة وغير شريفة وغير نزيهة· والله خير الناصرين والهادي إلى سواء السبيل· |