| أسرار عجيبة وغريبة يزدحم بها المشهد العراقي والمأساة المروعة التي يعيشها شعبنا العراقي في ظل أقسى أنواع القمع والإرهاب·
إن آلاف الجرائم التي ارتكبها النظام ماتزال غامضة وهي غالباً ما تنفذ بمواطنين تم اختطافهم بطريقة سرية بالغة وأصبح مصيرهم مجهولاً منذ سنين، كذلك هناك أساليب لاتزال مجهولة يمارسها النظام في تصفية خصومه السياسيين، وهذه وتلك يجب الكشف عنها وتوثيقها واطلاع الرأي العام عليها ومحاكمة ومعاقبة مرتكبيها·
وفي هذه الحلقة نعرض عدداً من الأساليب في قتل المواطنين وهي تنشر لأول مرة حيث أمكن الحصول عليها مؤخراً·
* * *
فيما شهادة وثائقية صارخة تشكل إدانة دامغة لنظام صدام أدلى المواطن العراقي مراد الذي قضى إحدى عشرة سنة في السجون الصدامية وهو من أهالي كركوك·
يقول الأخ مراد: "جلاوزة نظام صدام لا يملكون وخزة ضمير ولا قطرة حياء وكأنهم وحوش من عالم آخر يتشبثون بكل وسيلة مهما بلغت قذارتها وقسوتها بإمكانها أن تسحق كرامة الإنسان وتحقير شخصيته وإذلالها·
* * *
أخذوني إلى زنزانة التعذيب بطريقة لا أخلاقية حيث الركلات والسباب في ساعة متأخرة من الليل وهذا أفضل وقت لديهم فهم مثل خفافيش الليل حيث الظلمة تخيم أشباحها على كل الزوايا· لا أسمع سوى أصوات سياط الجلادين وشهقات المعذبين المتسربة من الزنزانات التي تحولت إلى حمامات دم حقيقية وهم مازالوا ينهالون عليّ بالعصي الغليظة والكيبلات والصوندات والتي لا أستطيع صدها دفاعاً عن النفس لكون عيني كانتا معصوبتين ويدي مقيدتين بالجامعة (الكلبجة) وبعد جولة طويلة من الضرب والكر والفر ارتخت القطعة المشدودة على عينيّ وصرت أستطيع النظر لما يجري حولي، فوقع نظري على الملازم المجرم ضابط التحقيق عبدالحسين وهو من أهالي منطقة بغداد الجديدة في العاصمة بغداد ومعروف بإجرامه وانحرافه الأخلاقي، ملقى على سرير وراء المنضدة متخوماً ومنفوخاً من فرط السكر حيث يتناول المشروبات الكحولية بإفراط وهو يغط في نومٍ عميق وياليته ظل نائماً إلى الأبد·
* * *
استيقظ بسبب جعجعات وحمحمات الجلادين وخاطبهم (دكوه) أي واصلوا تعذيبه ثم واصل نومه وبدأ الجلادون يصبون عليّ جام غضبهم وحقدهم وبعد برهة بدت آثار التعب والإعياء على وجوههم، فسألوني: هل اعترفت؟ قلت: دعوني أعترف وحينها استبشروا وكأنهم فاتحون، فأيقظوا الضابط، استيقظ وجلس وقال: ها اعترفت·
أجبته: على ماذا أعترف؟ وحينها عوى كالكلب المسعور بوجه حلاديه: (دكوه) أي عذبوه واستسلم للنوم مرة ثانية· كان ثملاً جداً وبدأ شخيره عالياً وقد تكررت هذه الحالة ثلاث مرات وفي المرة الرابعة نهض مقترب مني وقد أزبد وعربد وملأ الزنزانة صراخاً وسباً وشتماً وأحسست في هذه الأثناء أن إحدى أذني قد انتزعها فصرخت بما لديّ من قوة محدقاً به وكان يحمل في يده كماشة (كنز) فتقاطرت الدماء ملطخة كل بدني وقد عرفت فيما بعد أن قسماً من صيوان أذنى قد قطع·
* * *
هذا اللون من التعذيب استخدموه مع كثيرين بل وفي أماكن حساسة من الجسم كالعضو الذكري والأنف والأصابع والأظافر· حاروا في أمري وأرهقهم صمودي وتمردي ومماطلتي···
* * *
فتحوا عصابة عيني وإذا بجثة مسجاة أمامي عرفت أنه صديقي في المدرسة (حسين) من محلة (حمز للي) وقد كان زبد شدقه يتدفق ثم سمعت حشرجة في الجانب الآخر فألقيت بنظري نحوه وإذا بـ (علي كاور) وهو عاري الجسد تماماً ويتنفس بصعوبة ويتمتم ويهمهم·
* * *
قلت في نفسي ناسياً كل آلام التعذيب: يا إلهي أي وضع هذا وأي عالم نحن فيه؟· لقد كان جسداهما كسواد الفحم من قساوة التعذيب ومنتفخين بدرجة غيّرت معالم شكليهما بالكامل، وبعد دقائق فارقت روحاهما الحياة·· إنها لحظة مرعبة جداً لا تمحوها السنون مهما تقادمت وتراكمت عليها الأحداث وأي نظام دموي هذا الذي يطبل ويزمر للحرية ليل نهار· إنها نكبة كبرى وفاجعة عظمى يعيشها شعبنا تحت وطأة ونير هذا النظام الذي داس على جميع القيم والشرائع والأعراف والقوانين· يجب اسقاط هذا النظام الجائر وأن وحشيته هذه يجب أن تزيدنا صموداً وبسالة···
* * *
انهار جسدي وانشلّ كياني· صرخ أحدهم في وجهي: لو لم تعترف فسيكون مصيرك مثلهم·
قلت: على أي جريمة أعترف؟! وهل مثل سني يقترف جرماً وكنت حينها في السادسة عشرة من عمري ولكن كلامي لهم مثل قول الشاعر:
أسمعت لو ناديت حياً
ولكن لا حياة لمن تنادي
* * *
بدأ التعذيب يأخذ أقسى مدمياته وبوحشية لا نظير لها· لقد أفزعهم صمودي وأصيبوا بحالة هستيرية عاصفة وعلى الفور أحضروا قنينة بيبسي كولا مكسّرة الفوهة وبأربعة جلادين أقعدوني عليها بكل قوّة (أترك لك تصّور الحادثة وشدة وطأتها، فالكلمات تخرس عاجزة إزاء هكذا إجرام···)·
* * *
جلس الملازم عبد الحسين خلف المنضدة التي وضعت عليها مولدة كهربائية بحجم صغير يتفرع منها سلكان· أوقفوني أمامه وأنا عارٍ كما ولدتني أمي·
اقترب مني أحدهم وبدأ يشدّ أحد طرفي السلك برجلي والآخر بالعضو الذكري وشرع المجرم وهو فاغراً فمه من الضحك بتشغيل المولدة التي تنطلق منها رجّات كهربائية قوية تضربني من حائط إلى آخر· فقدت كامل وعيي وأفقت بعد برهة وأنا ملقى على قفاي ورأسي تحت المنضدة· وتيبست شفتاي ولساني وأصبحا كخشبة يابسة والعطش يفتت كبدي واستمروا في تعذيبي حتى أن بعضاً من أظافري قد قلعت وتورم بدني بشكل لا تسع الجامعة الحديدية (الكلبجة) يدي فشدوها بحبل وهو الآخر لم يصمد أمام قوة الرجّات والضربات فشدوها بسلسلة حديدية في طرفيها قفل حديدي····
* * *
كل أدوات التعذيب كانت أشد ألما إلا أن المولد الكهربائي أكثر شدة وأشد ألماً وعذاباً· استمروا في هذه الجولة أكثر من ثلاث ساعات وأخيراً تقدم الملازم المذكور شاهراً وملوحاً بـ "توثيّة" عصا غليظة في يده وقد ثارت ثائرته وشعر بهزيمته واندحار الجلادين الآخرين وسدّد ضربة قوية جداً كسرت إحدى ساقيّ· لقد كان هذا الكسر همي اليومي وشغلي الشاغل مدة إحدى عشرة سنة في السجن وحتى الآن آثاره جليّة ومضاعفاته منهكة····
نداء
نرجو إرسال احتجاجاتكم على ممارسات النظام الصدامي الإرهابية والتضامن مع شعبنا العراقي في مأساته المروّعة على العنوان التالي:
UNITED NATIONS NEW YORK NY
10017 - U.S.A |