| أسرار عجيبة وغريبة يزدحم بها المشهد العراقي والمأساة المروعة التي يعيشها شعبنا العراقي في ظل أقسى أنواع القمع والإرهاب·
إن آلاف الجرائم التي ارتكبها النظام ما تزال غامضة وهي غالبا ما تنفذ بمواطنين تم اختطافهم بطريقة سرية بالغة وأصبح مصيرهم مجهولا منذ سنين·
كذلك هناك أساليب لا تزال مجهولة يمارسها النظام في تصفية خصومه السياسيين، وهذه وتلك يجب الكشف عنها وتوثيقها واطلاع الرأي العام عليها ومحاكمة ومعاقبة مرتكبيها· وفي هذه الحلقات نعرض عددا من الأساليب في قتل المواطنين وهي تنشر لأول مرة حيث أمكن الحصول عليها مؤخرا·
لم يتوقع عمر أحمد أن يُعتقل وذلك لأنه غير مكشوف لأجهزة السلطة وتربطه علاقات حميمة مع الكثير من مسؤولي وعناصر النظام الصدامي إذ إنه يعمل بسرية تامة ويرتبط مع منظمته المعارضة بأسلوب "الارتباط الفردي" ولا يعرف غير واحد فقط من كوادر تلك المنظمة، ثم إنه منتسب إلى حزب السلطة وهو يشكل في داخله "خطا مائلا" إذ إنه ينقل كل ما يدور في الاجتماعات الحزبية إلى منظمته، وقد مضت سنوات من دون أن يشك به أحد، مجرد شك فهو عنصر نشط ودائما يلقى ثناء ومديح مسؤول الفرقة الحزبية، بل ولشدة الثقة به فإنه غالبا ما يكلف بمهام خاصة، إذاً فمن أين يأتي الخطر عليه؟ ليس هناك مصدر الخطر سوى المسؤول الوحيد الذي له علاقة به وهو صلة الوصل بينه وبين منظمته، بل وحتى هذا المسؤول غير مكشوف لأجهزة السلطة، إذاً لا خطر ولا هم يحزنون·
* * *
هكذا كان يتحدث مع نفسه حينما اعتقل أول مرّة، وأدخلوه في قاعة كبيرة وتركوه هناك لفترة طويلة، كنوع من التعذيب النفسي والاختبار الأولي لمعنويته وهو بداية التحقيق الابتدائي·
ما زال عمر غير مطمئن لسلامة الموقف ووضوحه وإنه وحتى هذه اللحظة لم يكن في وارد تفكيره ما يشير إلى أنهم اكتشفوه، كان واثقا تماما·
في هذه اللحظات المصيرية التي لا نظير لها في مجرى حياته، دخل القاعة ثلاثة رجال·· ملامحهم قاسية إلا أنهم يتصنعون البشاشة· وقال أحدهم: نريد أن ترافقنا لنتعرف على هذا المكان الذي يبدو غريبا عليك والذي تتشرف بدخوله للمرة الأولى، تعال معنا لنتفرج على ما يجري، فهو مكان نموذجي لايشبهه مكان آخر في القطر·
نهض، خرجوا من القاعة ودلفوا إلى طريق طويل لكنه ضيق، كان في نهايته باب مغلق من الحديد رنّ أحدهم الجرس فُتح الباب· كانت قاعة أخرى كبيرة معلقة فيها عدة جثث لناس عذبوا بقسوة والدماء مازالت تنز من أجسادهم، وفي وسط القاعة طاولة ضخمة من الحديد عليها رجال يقطعون جثث ضحاياهم بالفؤوس والسواطير، كان منظرا عجيبا يدعو إلى الغثيان و··
* * *
خرجنا من القاعة ونزلنا في سرداب عميق، على أرضيته عدد من أحواض الأسيد المركّز "التيزاب" وعليها تطفو بقايا عظام وقطع من اللحوم، كدت أتقيأ لولا إننا خرجنا بسرعة وصعدنا إلى مجمع الزنزانات، وفي أول زنزانة صادفتنا كانت فيها امرأة معلقة في السقف ورجل قطع ساقها اليسرى بالمنشار وهي تصرخ قبل أن يغلق فمها بالشريط اللاصق·
* * *
قال أحدهم: أعتقد أن هذا يكفيني·· أجابه الاثنان: أجل· هذا يكفيني· لِمَ الاستعجال فالطير داخل القفص؟!·
* * *
في هذه اللحظة، بدأت الشكوك تتسرب إلى داخلي وتنعكس على جسدي بشكل حركات لا إرادية · نعم· الطير داخل القفص قالها أحدهم بوضوح وهو لا يقصد غيري وبعكس ذلك فإن الاحتمال ضعيف·· لكن لنر·
عادوا به إلى نفس القاعة وتركوه هناك دون استجواب والساعات طويلة، ومن المؤكد أنهم يراقبونه بطرقهم المعروفة ويقيمون انفعالاته النفسية عبر ملامحه وحركاته وسكناته·
* * *
وفجأة داخل القاعة مسؤول الفرقة الحزبية للحزب الحاكم وبرفقته الأشخاص الثلاثة قال: هي توصية منّا ألاّ يبدأوا معك فورا، كما يبدأون مع الآخرين بسبب خلافتك لنا طيلة السنوات الماضية ونشاطك المميز وتنفيذك للمهمات التي كلفناك بها·
بعد فترة صمت قصيرة أضاف: لكن - مع الأسف الشديد - لقد أفسدت كل شيء· لقد عرفنا حقيقتك قبل يوم واحد فقط حينما اعتقلنا مسؤول منظمتك واعترف لنا بكل شيء·· وساد القاعة الصمت·
* * *
اعتبر عمر أحمد كلام مسؤول الفرقة الحزبية مجرد تلفيق، حيث إنهم - لأنه بات يعرفهم جيدا وكأنه واحد منهم - يقومون بحفلات اعتقالات عشوائية دون تهم ويُزج المعتقلون في حمامات الدم ثم يخرج من يخرج ويموت من يموت ويعترف من يعترف· وهذا الأسلوب يتبعونه في المجال المدني كما في المجال العسكري (الفيالق والأولوية والفرق والوحدات كافة) حينما يقوم الأمن العسكري بتلك الحملات·
اعتبر ذلك مجرد اختبار، واستعد لأسوأ الاحتمالات وفي مقدمتها التعذيب طبعا فإذا صمد· نجح وأثبت براءته فإذا لم يصمد فقد انهار وقال كل الأسرار لكن إذا كانوا فعلا اعتقلوا مسؤول منظمته واعترف لهم عليه فإن صموده سيكون أكثر قوة وتحديه أشد عنفوانا· هذا قرار نفسه·
* * *
في هذه الأثناء قال أحد الرجال الثلاثة ويبدو أنه مسؤول التحقيق: يا عمر إن هذه النعومة التي تشهدها الآن لا وجود لها في هذا المكان الذي شاهدت جزءا بسيطا مما يحتويه· إنه جزؤه "الذرّي" الطافي· إنه "التسقيط البارد"، أما الغاطس منه فنتمنى ألاّ نشاهده·
هذه النعومة التي تشبه "نعومة الحرير" لها مدى معين، ونحن ننفذها بناء على توصية الفرقة الحزبية لحزبنا القائد، فعليك استغلالها بالطريقة التي لا تتعبك وقد تودي بحياتك·
اعترف لنا بكل شيء وبقدر ما تكون اعترافاتك وافية وصحيحة ومطابقة لما هو مسجل لدينا من معلومات ووثائق تكون فرصتك للنجاح أيسر ونحن نضمن ذلك "بشرفنا"·
* * *
قال عمر أحمد سرّه: وهل لهؤلاء شرف حتى يقسموا به؟!
* * *
وأضاف : سنتركك ساعة من الآن لتفكر وتقرر وهو أقصى ما نستطيعه ثم ·· نعود!
* * *
ليس أمام عمر غير هذه الساعة، لكنها ساعة فائضة عن الوقت لأنه قرر الصمود في كلتا الحالتين ··بل وفي جميع الأحوال·
كانت تلك الساعة دهرا، كانت ثقيلة جدا، حشد عمر أحمد فيها واستنفر كامل ملكاته الفكرية وموروثه الحياتي عسى أن يقدح فكره عن الحقيقة ومهما تكن تلك الحقيقة وحشية، دموية قاسية، إلا أنه قرر الصمود·
عند هذا الحد توقف عن التفكير وتجمّد كل شيء فيه بانتظار انقضاء الساعة وهكذا ·· انقضت الساعة·· وليتها لم تنقض·
* * *
دخل الرجال الثلاثة وتخلف عنهم مسؤول الفرقة الحزبية، ثم تبعهم اثنان آخران وقالوا بصوت واحد هيا تكلم··
* * *
في هذه اللحظة انفجر، عمر أحمد بكلمتين فقط قالهما بشكل جازم: ليس لدي شيء أقوله·
* * *
بدأ التعذيب الذي استمر ثلاثة أيام متواصلة تتخللها فترات انقطاع بسبب الغيبوبة، إذ ينتظرونه حتى يستعيد وعيه ثم يواصلون تعذيبه·
* * *
لا شيء أقوى في الإنسان حينما يستخدم كل وعيه، كامل إرادته، حينما يفجر مخزون طاقاته ويضعها موضع الفعل الملموس·· آنذاك لن تستطيع أقوى قوّة في الأرض مهما بلغت من الوحشية، والجبروت أن تحطمه، أن تخترق مناعته العظيمة وفي كل مرّة يرتعب الجلادون وينحرون، أما قوة هذا الإنسان الذي ظنوه في البداية وبسبب رشاقته ورهافة جسمه لقمة سائغة جاهزة، لكنهم وفي كل مرّة يتجاهلون عظمة الإنسان وقوة المبادىء التي يؤمن بها ويكرس حياته من أجل تحقيقها· يظنونها عقيدة كعقيدتهم، مجرد وسيلة للتسلط والارتزاق وفرض ما يريدون بالحديد والنار·
وفي كل مرّة يصمد فيها عمر يزداد حقدهم عليه ويبتكرون في تعذيبه أشنع الوسائل لكنهم لم يحصلوا على شيء· أجل لم يحصلوا وعمر صامد ثابت يتوهج كالنار، كالشموس الساطعة··
وعند حدوث إحدى غيبوباته وكانت طويلة، ظنوه مات، لكن طبيب المعتقل قال: سيعود إلى وعيه وحالته الراهنة لا تؤدي إلى وفاته· كانت غيبوبة طويلة··
* * *
وهو في غيبوبته، تم نقله إلى زنزانة انفرادية وعندما أفاق كان كل شيء قد انتهى· تركوه وقد يعودون إليه مرّة أخرى·
لكن عمر أحمد لا يعلم بأن كل الذي جرى مجرد اختبار وما لفقوه له كان مجرد تبرير لتعذيبه لاستخراج أعزَّ ما يملك·· عمر لا يعلم حتى هذه اللحظة بأنهم قرروا إطلاق سراحه وإعادته ليمارس مهماته كالمعتاد داخل فرقته الحزبية·· عمر أحمد لا يعلم وهم لم يبلغوه بذلك، لذلك فإنه احتاط وقرر التخلص منهم في أقرب فرصة متاحة·
* * *
عند نقله إلى "مركز شرطة الرصافة" في بغداد لغرض الاعتذار منه واتمام ترتيبات اطلاق سراحه وكان ذلك يتطلب بعض الوقت، حتى يستعيد صمته، ثم ليخرج بكامل إفاقته مع توصية وتحذير من الإعدام المؤكد إن أفشى بقضية اختطافه وتعذيبه لأحد·
بعد يومين من بقائه في "مركز شرطة الرصافة" استطاع الهرب مع عدد من المعتقلين·
وهو الآن في مكان آمن يعيش حياته ويمارس نشاطه بفاعلية كغيره من مناضلي المعارضة العراقية·
نداء
نرجو إرسال احتجاجاتكم على ممارسات النظام الصدامي الإرهابية والتضامن مع شعبنا العراقي في مأساته المروّعة على العنوان التالي:-
UNITED NATIONS NEW YORK NY 10017 U.S.A |