| من داخل الزنزانة
أسرار عجيبة وغريبة يزدحم بها المشهد العراقي، والمأساة المروعة التي يعيشها شعبنا في ظل أقسى أنواع القمع والإرهاب والحصار·
إن آلاف الجرائم التي ارتكبها النظام لا تزال غامضة، وهي غالبا ما تنفذ في مواطنين تم اختطافهم بطريقة سرية بالغة وأصبح مصيرهم مجهولا منذ سنين·
كذلك هناك أساليب لا تزال مجهولة يمارسها النظام في تصفية خصومه السياسيين وهذه وتلك يجب الكشف عنها وتوثيقها واطلاع الرأي العام عليها ومحاكمة ومعاقبة مرتكبيها·
وفي هذه الحلقات نعرض عددا من الأساليب في قتل المواطنين وهي تنشر لأول مرة حيث أمكن الحصول عليها مؤخرا·
في قبو من أقبية سجون صدام المعتمة كان على المواطن العراقي "الصالحي" أن يشهد تعذيب أحد رفاقه أمام عينيه حين أخذ الجلادون يضعون المكواة الكهربائية على جسد رفيقه، و"الصالحي" يصرخ في وجوههم من دون أن يعي ذلك·
ماذا يعني أن توضع المكواة على جلد الإنسان حتى يحترق ويتصاعد الدخان· ذلك فعل بالغ البشاعة يرتكبه مجرم طليق اليد، يعذب كيفما يشاء ويزهق كيفما يشاء· يحميه النظام وزبانيته ويوفرون له كل ما يطلب ويدعونه يمارس الإجرام بحق الأبرياء من دون حسيب أو رقيب·
غامت عيناه ولم يعد يدري إن كان يصرخ أم كف عن الصراخ ولم يعِ شيئا أو يحس بشيء غير رائحة اللحم المشوي· كان قد أغمى عليه وإذا عاد الوعي إليه شيئا فشيئا وجد نفسه يغرق في ظلام الزنزانة مجددا ولكنه ظن أن الزنزانة هذه هي ليست تلك التي قضى فيها زمنا مع رفيقه الذي أحرقوا لحمه أمام عينيه·· إنها زنزانة ثانية لأن رائحتها مختلفة تماما هناك رائحة غير مألوفة لها ربما عرفها يوما ولكنها رائحة غريبة·
تصاعد الألم في رأسه· تحسس وجهه· كان متورما· لقد ضربوه بوحشية وهو مغمى عليه، يتحسس أنفه· لا بد·· ماذا يستطيع أن يفعل في هذه العتمة السوداء؟ كان قد شاهد البشاعة في أقسى أشكالها وها هو الآن مرمي في زنزانة لم يعرف لها شكلا· لم يتركوه لحاله، كان موقنا من ذلك· من المؤكد أنه شتمهم في صراخه·· حالما تصاعد الدخان في جسد رفيقه فإن انتقامهم منه سيكون شديد القسوة ولكن، لماذا وضعوه في هذه الزنزانة؟ إنه وحده فلا أحد يئن حوله أو يتنفس· إنه وحده في الصمت الرهيب والظلام المروع·
لكن البقية الباقية من جذوة الحياة في أعماقه أضاءت في ذهنه نافذة كانت تطل على عبق الذكريات الذي كان ينهمر خارج المعتقل، ينهمر فوق مدينته ثم بيته· وجه أمه ورائحة الشاي الذي كان يخدَّر فوق الموقد· أواه ما أروعه·
تعال يا بني· قالت أمه بصوتها الدافئ الحنون وأخبرته أن صديقا له طرق بابهم مبكرا وأعلمته بمكان ما كان ينتظره هناك بعد ساعة· بعد أن تناول إفطاره، أسرع للقاء صديقه·
كان ذلك الصديق قد أبلى بلاء حسنا في مقارعة زبانية صدام إبان الانتفاضة وبقي متخفيا بعد ذلك· لا بد أن أمرا جللا جعله يجازف ليطرق باب بيته وعيون المخبرين لا تنام·
أخبره الصديق أنه سيرحل عن المدينة بطريقة ما وأنه سيضع والدته ووالده العزيزين في عهدته لأن بقاءه متخفيا في أطراف المدينة لن يكون في صالحه، ورحل الصديق، وها هو الآن يقبع في أقبية التعذيب ليدافع عني· حاول المحققون انتزاع الاعترافات منه دون جدوى· ها هو يفي لصديقه وهو يدري أن ذلك سيكلفه حياته فما معنى الحياة من دون الحرية والكرامة؟ وأي طعم للحياة سيكون ما بين الذل والخيانة والمرء يحيا مرة واحدة· تلك هي الحقيقة التي ترعب جلاديه وتجعلهم يتفننون في النيل منه ومن رفاقه ولكن هيهات فلن تطال شجاعتهم أيدي الجبناء·
تصاعد الخدر في ساقيه وذراعيه وخّمن ذلك بأنه بفعل الضرب، لكنه لم يكن يعلم أن ذلك كان بفعل السم الذي أخذ يتسرب الى جسده·
لقد رماه الجلادون في زنزانة ملؤها الحشرات والعقارب ولم يكن باستطاعته الإحساس باللسعات المميتة التي كان يتلقاها لأن جسده كان مخدرا أصلا بفعل الأورام·
لقد تركه الجلادون هناك ليموت ببطء وعزلة·
اشتد الضوء على النافذة التي أطل عليها في حياته· تراءت له ابتسامة أمه العذبة ولمعان عتبة منزله العتيق تحت ضوء الشمس· تصاعد وهج الشمس وسبحت كل الأشياء في فيض من الضوء ثم لفظ أنفاسه الأخيرة ليلتحق بركب الشهداء الخالدة أرواحهم في ضمير الشعب·
قصي، وكلبه "الحكم" حالة هستيرية
يمر قصي صدام ومنذ محاولة اغتيال أخيه عدي بحالة هستيرية، وقد دفعته هذه الحالة الى ارتكاب جرائم قتل وإبادة وبشكل يفوق به على من سبقه في تولي قيادة الأجهزة الإجرامية بمن فيهم برزان التكريتي ووطبان وسبعاوي، وقد ازداد عنفا وقسوة ضد المعتقلين في جهاز الأمن الخاص وبخاصة السجناء الذين ينتمون الى أجهزة الأمن وأجهزة الحماية الخاصة وكبار الضباط في الجيش العراقي إثر محاولتي الاغتيال اللتين تعرض لهما في تكريت وبغداد·· وإثر هذه الحالة من الانفلات في الأمن فإن قصي يقضي ما يقرب من عشرين ساعة يوميا في متابعة الدوائر الأمنية وهو يتناول فطوره في الأمن الخاص وغداءه في المخابرات العامة، أما المتبقي من الوقت فيقضيه في الاستخبارات العسكرية وبعض الوقت السهر في المكان الخاص الذي تم استحداثه له بعد محاولتي الاغتيال·
وفي خضم حمى القتل التي أخذت تنتابه نتيجة سوء الأوضاع التي تواجهها سلطة أبيه أمر قصي ببناء شرفة زجاجية مظللة تطل على ساحات التعذيب في سجون دوائر الأمن والمخابرات العامة بحيث يتمكن الجالس فيها أن يرى دون أن يراه أحد، وقد قصد من هذا الإجراء التشفي من الأشخاص والمتهمين في التآمر على أبيه وهم يتألمون تحت وطأة التعذيب، وكذلك إيهام الذين يشرفون على عمليات التعذيب بأنه موجود في الشرفة حتى عندما يكون غائبا كي لا يتهاونوا في أداء مهامهم الإجرامية في التعذيب·
*وقد عرف عن المجرم قصي الولع بجمع الكلاب البوليسية المتوحشة، وله كلب شهير يحمل اسم "الحكم" وكان قد استخدمه في قتل الدكتور راجي التكريتي، كما استخدمه مؤخرا في تهديد ضباط كبار في الجيش كان قد بلغه تذمرهم من تشكيل جيش النخبة· وقد ذكّر الضباط بما أسماه صولات "الحكم" ويقصد بذلك كلبه في إيقاع القصاص بالمتمردين على حكم أبيه في إشارة الى راجي التكريتي وظفر مولود مخلص وجاسم أمين مخلص واللواء بشير الطالب واللواء الطيار سالم واللواء باقر الحاج واللواء الطيار حسن الحاج خضير وآخرين أطلق عليهم قصي كلبه ولم يعدموا رميا بالرصاص· |