| تكثر الإعلانات في الصحف في الصيف، ومن الطبيعي أن يكون كثيرا عن "المنتجعات" والقرى السياحية والأحياء المتميزة التي تحمل عادة اسما أمريكيا، ويلفت النظر ما تضمنته هذه الإعلانات العقارية هو التسهيلات في دفع الثمن، فالحديث عن السداد بالتقسيط بارز "ادفع 300 جنيه في الشهر وتملك شقة أو شاليه أو فيللا"، بل ذهب البعض حدا بعيدا في محاولة اجتذاب المشترين فأعلن أن البائع بالتقسيط لا يشترط أي مبلغ كمقدم··! والواقع أن الشركات النشطة في مجال العقارات تعاني ضيقا ماليا، فقد وقعت في مصيدة المضاربة العقارية وتوهم البعض منهم أن أسعار العقارات ستوالي الارتفاع غير المبرر، وجهلوا ما هو معروف أن ارتفاع سعر أي سلعة لا بد أن يسلم للانخفاض بعد فترة زمنية تطول أو تقصر·
لكن ما استوقفني ودهشت له فهو كثرة الإعلانات عن وحدات التعليم، لقد تابعت إعلانات "الأهرام" لمدة أسبوعين فوجدت أن متوسط عدد إعلانات تجارة التعليم ثلاثة إعلانات مصورة وملونة وتغطي مساحة كبيرة، ويحرص بعضها على النشر في الصفحة الأولى، أما ما يعلن فيسمى مدارس أو معاهد عليا أو أكاديميات، ولا علاقة لهذه الأسماء بالمحتوى الفعلي، وبعضها فقط يبرز أنه قد حصل على اعتراف من وزارة التعليم العالي، ويعلن البعض رقم المصروفات إذا كان متواضعا 2000 أو 3000 جنيه، وهناك آخرون لا يذكرون شيئا عن المصروفات ربما لأنهم يخاطبون طبقة اجتماعية تعد ارتفاع المصروفات دليلا على ارتفاع المستوى، وهي تفخر بأن أبناءها وبناتها يتعلمون في أغلى المعاهد، حيث لا مجال لأولاد الفقراء، ويزيد الأمور غرابة أن الإعلانات تبرز حمام السباحة والحديقة وملاعب الكرة إلخ، ولا تشير بأي شكل لمستوى التعليم ومؤهلات المعلمين أو ساعات العمل على مستوى السنة فتبدو الإعلانات المصورة كما لو كانت سياحية تبرز مبنى فندق وجمال ما يحيط به·
ومن المعروف ارتفاع أسعار الإعلانات إذ إن نعيا من ستة سطور ينشر في صفحة الوفيات يكلف أكثر من 2000 جنيه فما أدراك عن ثمن إعلان يحتل خمس الصفحة الأولى؟ إن مئة ألف جنيه رقم عادي في هذا المجال، وليس من المبالغة إن قلنا إن تكلفة الإعلان "في صحف عدة" للأكاديمية الواحدة تصل الى مليون جنيه، وهو في مجال التجارة ورجال الأعمال مقبول إذا كان سيؤدي الى زيادة كبيرة تعوضه أو تزيد من مبيعات سلعة معينة، ونشاط الإعلان جزء أساسي في التجارة، واهتمام دور تعليم بالإعلان يعني أنها تتوقع تحصيل أكثر من تكلفته عن طريق المصروفات المدرسية التي يدفعها أهل الطلبة الذين يجذبهم الوسط الاجتماعي لزملائهم، فالعملية كلها تبدو خاضعة لتقاليد المشروعات التي تسعى لتعظيم الربح·
ولست ضد وجود مدارس أو جامعات خاصة إذا كانت في تعليم أعداد إضافية لمن يتعلمون في الجامعات الحكومية، ويكون تمويل هذه الجامعات من حصيلة تبرعات، وعاش عندنا الأزهر قرونا يوفر للدارسين فيه المسكن والمأكل والتعليم مجانا معتمدا في ذلك على الأوقاف التي أنشأتها له أجيال متعاقبة من الأغنياء، كذلك أنشئت أوقاف لبعض الجمعيات الخيرية من مدارس ابتدائية وثانوية منذ أوائل القرن العشرين لأن الحكومة كانت ملزمة بتحقيق فائض في الميزانية لسداد أقساط ديون الخديوي إسماعيل وهي العملية التي تولاها "صندوق الدين" الذي كان مقره بجوار دار الأوبرا التي احترقت، ولذلك كان عسيرا على الحكومات المتعاقبة أن تنفق على التعليم بما يتناسب مع تطلع الناس الى تعليم أولادهم، وقد انتهى موضوع الديون وما بقي منها في دفعة واحدة في 1943، ولم أسمع في حياتي عن جامعة محترمة تحقق أرباحا أو تأخذ شكل شركة مساهمة·
|