رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 2رجب1424هـ-30اغسطس2003
العدد 1592

المشروع التقدمي!
عامر ذياب التميمي
tameemi@taleea.com

 

اذا يمكن أن يكون المشروع التقدمي في بلد مثل الكويت؟ هذا السؤال لابد أن يؤرق المهتمين بتطوير المجتمع والحياة السياسية في بلد يعاني من طغيان الفكر المتخلف، بكل تفريعاته القومية والأصولية·

 نشأت الكويت كواحة حضرية على ساحل شمال الخليج في أواسط القرن الثامن عشر وتمكن أهلها من اختيار حكامهم بأسلوب التراضي، وبالرغم من مرور البلاد بمواجهات داخلية وخارجية عبر ما يربو على 250 عاما إلا أنها تمكنت من المحافظة على تماسكها، وكما هو معلوم أن شعب الكويت تكون عبر هذه الأعوام الطوال من خليط من المهاجرين أتوا من البلدان المجاورة والقريبة وخصوصا نجد والبصرة وبلاد فارس، وقد كون الكويتيون الأوائل مجتمعا متفتحا تواصل مع مجتمعات كثيرة من خلال السفر والتجارة واستفاد من تجاربها، خصوصا الهند والتي كانت مقصد تجار الكويت وبحارتها، لكن ما حدث في السنوات الأخيرة، ومنذ بداية عصر النفط في الخمسينات من القرن الماضي وهو تعرض الكويت للهجرة من بلدان فقيرة طلبا للرزق، وكان معظم من وفد الى البلاد قد ساهم في تنمية الحياة الاقتصادية وتطوير التعليم وأنظمة العلاج الصحي وتأسيس البنية التحتية والبنية المؤسسية، هؤلاء الوافدون لم يسعوا لكسب المواطنة في البلاد، وإن كسب بعض منهم، لكن غيرهم أتى سعيا وراء المواطنة وقد تمكن الكثير منهم من كسبها "الجنسية الكويتية" بالرغم من عدم تمتعهم بالتعليم والخبرات الملائمة لتطوير مجتمع متخلف يحاول أن يخرج الى آفاق التنمية والتحضر·

لقد أدت المتغيرات الديمغرافية في النسيج المجتمعي الكويتي في عقد الستينات من القرن العشرين الى تدهور في مستويات التحضر وتراجع في منظومة القيم وتحول نحو مواقف سياسية متخلفة ومعادية للحضارة الإنسانية، ولذلك فإن أي مشروع تقدمي يجب أن يضع في الاعتبار وسائل لانتشال المجتمع الكويتي من حال السكون ودفعه نحو ديناميكية حضارية تجعله أكثر قدرة على التجاوب مع متطلبات العصر الحديث، كما أن المشروع التقدمي يجب أن يفعل من الطاقات الإنسانية ويحول المواطنين الى عناصر منتجة لا تعول على الريع النفطي والإنفاق الحكومي والعمالة الوافدة·

 لن يكون هناك تقدم في البلاد إذا ما استمر الكويتيون يمثلون 19 في المئة من قوة العمل الإجمالية أو أن يعمل 94 في المئة من هؤلاء الكويتيين في المؤسسات والدوائر الحكومية أو شركات القطاع العام، كذلك هل يمكن أن يكون هناك مشروع تقديم يعتمد على حماية الاقتصاد الريعي والقيم الشعبوية ويناضل ضد مفاهيم الإصلاح الاقتصادي؟ لا شك أن هناك ضرورة لحماية حقوق العاملين وتوفير فرص العمل وتأمين نظام تأمينات اجتماعية فعال وتمكين هؤلاء العاملين من حقوق المطالبة بتحسين الأجور والرواتب وشروط العمل، لكن لا يجوز التمترس حول الأوضاع الراهنة واعتبارها مقدسة لا يجوز المساس بها أو إصلاحها، يجب انتهاج قيم سياسية تهدف للإصلاح الاقتصادي وتفعيل دور القطاع الخاص وزيادة رفعة مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي وتقليص هيمنة الدولة على الأنشطة الاقتصادية الرئيسية، ويعني ذلك الانفتاح الاقتصادي وجذب رؤوس الأموال الوطنية والأجنبية لتوظيفها في القطاعات الاقتصادية الأساسية مثل النفط والمرافق والبنية التحتية والخدمات الأساسية·

إن المشروع التقدمي يعني إنجاز إصلاحات تهدف لتعزيز القدرات على إنجازات اقتصادية عصرية مؤسسة على العلم والإدارة الحديثة والتقنيات الجديدة·

من جانب آخر فإن أي مشروع تقدمي يجب أن يؤسس على مفاهيم تمكن من إصلاح التعليم وتطوير المناهج وتمكين الناشئة من الاستفادة من روح التسامح، فلا يجوز الاستمرار مع الأوضاع التعليمية القائمة بحجة أنها تتوافق مع العادات والتقاليد، فإننا بحاجة الى معالجات عميقة لأوضاع التعليم من أجل رفع كفاءة مخرجات التعليم، والتي تمثل حجر الزاوية في عملية الإصلاح الاقتصادي، كما أن هذا التعليم يجب أن يصبح أساسيا لدفع المجتمع نحو احترام حقوق المرأة وتمكينها من المساهمة في عملية التنمية الشاملة، كذلك لاريب أن التعليم الجاد سوف يؤدي الى مراجعات مهمة لمنظومة القيم الاجتماعية التي مازالت تحول دون تطوير الواقع المجتمعي حيث تنتشر مفاهيم التوسع الأفقي في إعداد أفراد الأسرة من دون الاهتمام بنوعية الأبناء·

إن التطورات الديمغرافية في الكويت خلال العقود المنصرمة تؤكد تخلف منظومة القيم حيث يبلغ معدل النمو الطبيعي للسكان نسبة 3,5 في المئة وهي من المعدلات المرتفعة في هذا العالم خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وهذا النمو السكاني لا بد أن يحمل معه أعباء اقتصادية ومشاكل اجتماعية لا حصر لها، ولا بد من تطوير أنظمة التعليم والثقافة لتمكين المواطنين من فهم جديد للحياة ودفعهم للتساؤل حول دور كل واحد منهم في المجتمع ومساهمة الأفراد في التنمية الاقتصادية، وليس فقط التعويل على الدولة لتقديم الدعم المالي والعيني لكي يتمتعوا بالحياة دون مقابل، هل يمكن أن يتقبل من يتبنى الفكر الشعوبي مثل هذه القيم العصرية ويعمل على تضمينها في برنامج سياسي هادف؟

وإذا كنا في الكويت نتمتع بوجود دستور ديمقراطي فهل أدت الحياة النيابية الى توفير قوى سياسية تؤمن بالديمقراطية ممارسة ونهجا؟ إن ما حدث من تعثر في الحياة النيابية وتعطيلها على مدى العقود الأربعة الماضية وإعادة توزيع الدوائر الانتخابية بالشكل الذي هي عليه في الوقت الراهن قد دفع الى الواجهة بسياسيين لا هم لهم سوى التجاوب مع المطالب الشعبوية والالتزامات الانتخابية المضادة، في أغلب الأحيان، لقيم التقدم والرقي، فمثلا وقف معظم أعضاء مجلس الأمة ضد تمكين المرأة الكويتية من ممارسة حقوقها السياسية، بالرغم من التحول في موقف السلطة السياسية بعد صدور المرسوم الأميري في مايو 1999 الذي مثل إرادة أميرية سامية لمنح المرأة حقوقها السياسية الكاملة، هل يعقل أن نطلق على المجتمع السياسي في الكويت المجتمع الديمقراطي عندما يرفض حقوق النساء اللواتي يمثلن نصف المجتمع؟ هل هناك ديمقراطية لا يشارك في الانتخابات فيها أكثر من 17 في المئة من الشعب؟ هذا التحدي، وهو تحدي تمكين المرأة من المشاركة السياسية، وهو أهم تحد للقوى الديمقراطية التقدمية في البلاد، إن وجدت وعليها أن تضع ذلك كأولوية قصوى لتحقيقه، بيد أن الديمقراطية يجب أن تتسع لتشمل كل المؤسسات في المجتمع ولا تقتصر على الانتخابات الاشتراعية أو البلدية كل أربع سنوات، يجب أن تتعزز حرية الثقافة والفكر والصحافة والإعلام بكل تفريعاته، ولا بد أن تتوافر إمكانات لإقامة مؤسسات سياسية مرخصة قانونيا بشرط عدم تأسيسها على أسس طائفية أو دينية أو عرقية أو قبلية، بل أن تؤسس لعضوية أي من المواطنين، كذلك فإن تعزيز الديمقراطية يتطلب غرس روح التسامح لدى الشباب وصغار السن وتمكينهم من الاستفادة من تجارب الآخرين وتدريس قيم الديمقراطية في المدارس والمعاهد والجامعات·

وإذا كنا في الكويت نملك بعض العناصر التي تؤمن بالديمقراطية وتتوافر لدينا بعض المنظمات السياسية ذات النهج التقدمي، مثل المنبر الديمقراطي الكويتي والتجمع الوطني الديمقراطي، فإن المطلوب من هذه العناصر والقوى أن تطرح خطابها السياسي الجديد البعيد عن المفاهيم التقليدية التي تأسست عليها المنظمات السياسية في الكويت والدول العربية خلال النصف الثاني من القرن العشرين·

 هناك قضايا وطنية برزت في السنوات الأخيرة تستلزم مواقف خلاقة لا تعتمد على الأفكار القديمة، ولا يمكن البقاء في مواقع المواقف العقائدية السابقة عند معالجة أوضاع مستجدة، وكما أوضحت آنفا فإن قضايا الاقتصاد والتعليم تتطلب مواجهات جديدة تؤكد فعالية الحلول وليس المواقف العقائدية التي ربما تعقد الأوضاع التي تتطلب معالجات هيكلية، أما المواقف من القضايا العربية والعالمية فإن المقياس فيها يعتمد على أهميتها للمصالح الوطنية الواضحة، ولا يجب أن نتخذ موقفا يؤدي الى تصادم مع قوى عالمية، يهمنا استمرار علاقاتها الإيجابية معنا حماية للأمن الوطني والإقليمي·

 إن منطقتنا مازالت تعاني من توترات نتيجة للتطرف ووجود أنظمة غير ديمقراطية، وأنظمة تعمل على تطوير أسلحة دمار شامل، مثل ما كان يقوم به نظام البعث المقبور في العراق، لذلك فإن الأمن الوطني يلزم الديمقراطيين في الكويت أن يعوا أهمية تكييف مواقفهم بشأن القضايا العربية والإقليمية والعالمية·

 لقد بات على القوى الديمقراطية في الكويت أن تفعل من وحدتها التنظيمية وتعمل على الانتشار بين صفوف الشباب، وعليها أن تقدم قيادات شابة قادرة على إدارة المعركة السياسية باقتدار، كما أن هذه القوى يجب أن تنتهج برنامجا تقدميا فعالا، وأن يكون مقبولا من الفعاليات المجتمعية الأساسية وأن يراهن على الفكر المستقبلي وليس على قيم الشمولية والاستبداد الثقافي·

 

tameemi@taleea.com  

 

�����
   

لماذا نبكي؟:
نهار النبهان
آفاق ورؤية:
د.عبدالمحسن يوسف جمال
الاعتداء على مقر الأمم المتحدة في بغداد اعتداء على حقوق الإنسان:
المحامي د.عبدالله هاشم الواكد
الطريق إلى الديمقراطية العراقية:
عودة الضاحيü
"الإصلاح ·· هل هو حاجة؟ أم لإلهاء المجتمع عن واقع صعب؟:
عبد الهادى مرهون
خوفا من اضمحلالها أو تلاشيها النقد الذاتي للتجربة الديمقراطية في الكويت يحصنها من الاختراق:
ناصر يوسف العبدلي
تجارة التعليم:
أ.د. إسماعيل صبري عبدالله
إما أمريكا أو الأصولية:
يحيى الربيعان
المشروع التقدمي!:
عامر ذياب التميمي
غزو فضائي على دولة الكويت:
المحامي نايف بدر العتيبي
لماذا نبكي؟:
نهار النبهان
أحمد باقر·· Gray Davis ·· البدون·· وأشياء أخرى:
خالد عايد الجنفاوي
وماذا عن البدائل الممكنة فلسطينيا؟:
د. جلال محمد آل رشيد
زوال الحليف الاستراتيجي:
عبدالله عيسى الموسوي
أسرار وخفايا الصراع في العراق:
حميد المالكي