رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962
العدد 1592

الطريق إلى الديمقراطية العراقية
عودة الضاحيü

هل للديمقراطية جذور في المجتمع العراقي لكي يستطيع المُنبتون والزراع الآن إحياء هذه الجذور ورعايتها، لتنبت شجرة الديمقراطية من جديد في العراق، وتُزهر، وتُثمر ثمارها المباركة في القريب، أو في البعيد؟

يقول إيريك ديفيز مدير مركز الدراسات الشرق أوسطية في جامعة روتجرز الأمريكية، إن جذور الديمقراطية في العراق ضاربة في المجتمع المدني أكثر من أي بلد عربي، وأن المجتمع الديمقراطي في العراق يعود إلى قرن كامل من الزمان، عندما تم إنشاء كلية الحقوق في بغداد في العام 1908 والتي كانت من أعرق مؤسسات التعليم الراقي في العالم العربي، وفي السنوات اللاحقة تمكن المعلمون وطلاب الجامعات والمهنيون من تكوين جمعيات واتحادات وأندية اجتماعية وأنشئ أول صالون ثقافي في العام 1926· إضافة إلى الكثير من مؤسسات المجتمع المدني التي كانت تنم عن ثراء ثقافي والتزام بالتعددية الثقافية والسياسية، رغم أن الحكم الهاشمي لم يعترف بالتعدد العرقي لانحيازه للقومية العربية، أي أنه لم يفرض قيودا على القوميات والعرقيات الأخرى غير العربية·

لقد بدأ العراق يبتعد عن التعددية، وعن مسلك الطريق الديمقراطي عندما قام انقلاب حزب البعث في العام 1963 وأطاح بحكم عبدالكريم قاسم وقتله، وقام الحزب بعد ذلك بقمع كل من يرفع راية التعدد الثقافي، واستمر هذا الوضع وبشدة أكبر حتى العام 2003 عند زوال حكم صدام حسين، ورغم مضي نحو أربعين عاما على عهود القمع وعدم السماح بالتعددية الثقافية والسياسية في العراق، وانتهاج نهج الحزب الواحد، والفكر الواحد، والعقيدة الواحدة، والقيادة الواحدة، والزعيم الواحد·· إلخ· إلا أن العراق احتفظ ولو سراً بتقاليد التعددية والمجتمع المدني التي ظلت حية في الذاكرة الثقافية والسياسية العراقية وفي سراديب الثقافة والسياسة العراقية، رغم انعزاله التام عما كانت يدور في العالم من تحولات ديمقراطية وانهيار لأنظمة الحكم الشمولية في شرق أوروبا، وهي اليوم تخرج إلى النور حيث لم تمت الجذور، ولكنها جفّت، وتحتاج الآن إلى الرعاية والعناية لكي تُطلق أغصانها وظلالها الوارفة من جديد·

فما الطريق الآن إلى إحياء جذور الديمقراطية الغائرة في تربة المجتمع العراقي، والتي انعزلت عن تحولات العالم الديمقراطية؟ ولكنها أخيرا استطاعت بمساعدة قوى خارجية أن تُسقط الحكم الشمولي في بغداد؟

1 - اللاعودة المطلقة إلى الحكم الشمولي، فمن المعروف أن الحكم الشمولي في العراق كان نازي النزعة· بمعنى أنه كان مسيطرا على جميع مناحي وأوجه الحياة العراقية، وبما أن العراق بلد غني فقد تمّ استعمال موارده الثرية في تقوية جيش السلطة، وأمن السلطة، وثقافة السلطة، وفي بذخ السلطة كذلك، ومن ناحية أخرى فقد قام النظام الشمولي بما له من قدرات مالية هائلة في توسيع رقعة حزب البعث بالترغيب المالي، وبالترهيب الاجتماعي، ويقال إن عضوية هذا الحزب وصلت إلى ثلاثة ملايين عضو، ومنهم من يقول أكثر، ومنهم من يقول أقل، ولكن الواضح أن حزب البعث أصبح الأغلبية السياسية والأغلبية المطلقة في العراق، وأصبح أعضاء الحزب يتمتعون بمميزات سياسية ومالية وتوظيفية وتعليمية لا يتمتع بها الآخرون، وأصبحوا هم بؤرة الطبقة المتوسطة في العراق التي رضيت بالقهر والفقر، والتنازل عن حريتها مقابل ضمان لقمة عيشها، ومن أجل إحياء التراث الديمقراطي، في العراق فلا بدّ من إعادة التعددية السياسية والثقافية إلى ما كانت عليه قبل العام 1958·

2 - المحافظة على مؤسسات المجتمع المدني، فالحكم الشمولي العراقي لم يكتف بخلق طبقة وسطى بالطريقة التي يريدها، ولكنه قام إلى مؤسسات المجتمع المدني، فقام بإلغاء النقابات، والاتحادات العمالية والمهنية والصناعية والتجارية والثقافية، ووضع بدلا منها تنظيمات حزب البعث المختلفة ليملأ الفراغ الناتج عن هذا الغياب، وإلى جانب ذلك قام الحكم الشمولي العراقي بتفتيت المجتمع عن طريق هيمنة طائفة واحدة على الحكم والجيش والنظام الإداري والتجارة وأعمال المال، وهي طبقة عشيرة الرئيس، وعودة الروح الديمقراطية لن يكون إلا بإعادة مؤسسات المجتمع المدني التي تمّ القضاء عليها بعد العام 1958·

3 - اعتماد سياسة السوق الحرة، فقد تمّ تدمير الاقتصاد العراقي عن طريق قيام الاقتصاد الموجه، وإلغاء نظام اقتصاد، السوق وتم دمج السلطة السياسة بالاقتصاد دمجا قسريا وقهريا وأصبح العراق بعد ذلك هو الغني الفقير، وهو العاطي المُستجدي في الوقت نفسه حيث تم توجيه الموارد نحو بذخ السلطة السياسية وفسادها، وترك الشعب جائعا وعاريا، ويشرب من ماء الرافدين الملوث وقد ذكرتنا المناظر الحقيقية لحال الشعب العراقي في الجنوب بعد حرب الخليج الثالثة خاصة، بمناظر الشعب الأفغاني بعد زوال حكم طالبان والعُربان الأفغان!·

جذور الديمقراطية السياسية العراقية لن تدب فيها الحياة، وتنتعش من جديد، إلا إذا تم تحرير الاقتصاد من تعسف وتسلط السلطة السياسية، وإنهاء الاقتصاد الموجه، والعودة إلى اقتصاد السوق الحر، لاسيما وأن العراق كان قبل حرب الخليج الثالثة مثقلا بالديون التي بلغت 380 مليار دولار تقريبا لإعادة إعماره، ووضعه على خارطة الدول ذات الخدمات الجيدة في جميع النواحي التعليمية والصحية والاجتماعية والثقافية والتجارية والمعلوماتية·

4 - قيام قضاء حر ونزيه فالديمقراطية في العراق وغيره، لا تقوم إلا بقيام نظام قضائي حر، وبإقرار سيادة القانون، لقد كان لُب وقلب الديمقراطية الغربية أن “لا أحد فوق القانون”، في حين أن الديمقراطيات العربية الزائفة أدت إلى أن “لا يكون أحد تحت القانون”، ورغم أن جميع الدساتير العربية تُقرّ وبالخط العريض استقلالية القضاء وحريته، إلا أن القضاء العربي ظل موجها توجيها سياسيا فاضحا، ولعل آخر دليل على ذلك جاء من أعرق أنظمة القضاء العربية وهو القضاء المصري، فكانت قصة المفكر المصري سعد الدين إبراهيم المعروفة مع القضاء الموجه سياسيا، كذلك فإن مذكرة الاعتزال التي بعث بها يحيى الرفاعي المستشار القضائي المصري إلى نادي القضاة ونقابة المحامين والتي نشرتها صحيفة “العربي” القاهرية في 5/1/2003، شكلت فضيحة كبرى للقضاء المصري المتسلط عليه، والموجه من قبل السلطة السياسية·

الديمقراطية العراقية لن تزدهر إلا إذا تم فصل السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية فصلا فعليا وليس قوليا، واستقلال القضاء استقلالا تاما كما هي الحال في معظم دول الغرب· فيما لو علمنا أن القضاء العراقي منذ العام 1958 حتى الآن كان قضاء سياسيا قبليا وعشائريا، موجها من قبل الحكم الشمولي البعثي الذي تولي السلطة في العام 1963·

ü شاعرعراقي

�����
   
�������   ������ �����