"عض الكلب رجلا" ليس بخبر ينقل أما أن يعض رجل كلباً فهذا خبر تتناقله وسائل الإعلام، هذه مقولة يكررها العاملون في مجال الإعلام عندما يسألهم أحد القراء عن سبب إهمالهم لأمر يراه هو مهماً، وهذا هو في الواقع اليومي ما يحدث في أطراف العالم وتحديداً في البؤر الساخنة، بما فيها العراق، فوكالات الأنباء والمحطات الفضائية والإذاعات العالمية معنية بشكل أكبر في أخبار التفجيرات والعمليات الانتحارية وضحاياها أكثر من عرض صورة لما يجري في العراق وفي الأماكن الأقل توتراً، وهي الصورة التي حاول الصحافي المعروف أمير طاهري عرضها في مقالة له في جريدة صنداي تايمز (انظر صفحة15 ) بعد أن زار العراق من جنوبه إلى شماله وبعد أن كان قد كتب صورة مغايرة لما رأى قبل تلك الزيارة·
هناك من يركز على الصورة الأكبر المتمثلة باحتلال العراق من قبل القوات الأمريكية والبريطانية وهو تركيز في محله، لكن هناك من يرى فيما يقوم به العراقيون في الداخل شكلاً متطوراً من المقاومة المعتمدة على بناء المجتمع والدولة البديلة للاحتلال وللنظام السابق والتي بدورها ستلغي المبرر الذي يستخدمه المحتل للبقاء هناك، فتجد أن بناء مؤسسات المجتمع المدني والمجالس المحلية أخذ زخماً كبيراً حيث يقول طاهري إنه "خلال الأشهر العشرة الماضية أجريت انتخابات حرة ونزيهة في37 مجلساً محلياً وفي كل مرة كان المعتدلون والليبراليون والعلمانيون يحققون الفوز، وقد أخفق البعثيون الذين خاضوا الانتخابات تحت لافتات مختلفة، وقد حصل المتشددون الإسلاميون على نسبة 3-1 في المئة فقط من الأصوات"، كما يستثمر العراقيون الآن هامش الحرية التي لم يعرفون لها مثيلاً طيلة العقود الأربعة الماضية بما في ذلك إصدار أكثر من200 صحيفة، وما لا يقل عن30 حزباً سياسياً، وبنى العراقيون أكثر من 500 مدينة كان صدام قد محاها عن الأرض ضمن سياسة التطهير العرقي التي انتهجها·
ويؤكد طاهري أن ما رآه في العراق يمثل بناء جديداً يستحق الوقوف عنده وأن المخاوف التي يرددها البعض من أن الحكم في العراق سيتحول إلى محاصصة طائفية وعرقية وأن المتشددين الدينيين سيسيطرون على مؤسسات المجتمع المدني أمر غير وارد، بل يذهب إلى أن هذه التجربة ونجاحاتها الصغيرة التي لا يركز عليها الإعلام ربما تكون هي ما يخيف الدول المجاورة للعراق إن نجحت واستمرت وخرج المحتل، فهل يا ترى لتصور طاهري أساس يدعو إلى التفاؤل في وضع مستقر وآمن وديمقراطي في العراق، رغم طغيان صفة الاحتلال على ما عداها في الصورة العراقية الآن؟ وهل نجاح التجربة، إن نجحت، يشكل أسلوباً جديداً لإدخال الديمقراطية إلى دول المنطقة مدعومة بالجيش الأمريكي؟ البعض يقول إن الوضع الحالي ليس سوى احتلال أمريكي للجميع سواء تواجدت قوات عسكرية على الأرض أم وجد النفوذ والهيمنة، كما هي الحال في بقية الدول العربية·