
· إيران مقدمة على تحولات سيكون لها تأثيرها على هوية النظام
كتب حسن علي:
إن عملية أسر الجنود البريطانيين ثم الإفراج عنهم، وطريقة تعاطي القوى السياسية معها، قد كشف عن مدى الانقسامات السياسية العميقة والحادة بين تيارات القوى السياسية الحاكمة في إيران، أي بين اليمين المحافظ، وما يسمى باليسار الإصلاحي داخل مؤسسة الحكم·
ويرى المراقبون أن حقيقة التباين بين التيارات السياسية في إيران ليس بجديد، فهو يؤكد على طابع الديناميكية الذي يميز الساحة السياسية الإيرانية التي شهدت تحولات كبيرة منذ وقوع الثورة الإسلامية في العام 1979، وهي تحولات اختلف مداها ومردودها من مرحلة إلى أخرى، حيث صعدت تيارات واختفت أخرى، وهو ما يعني إقصاء تيارات بعينها، ومن ثم تكريس احتكار تيارات لعملية صنع القرار·
وفي هذا الإطار يشير المراقبون إلى تحولين مهمين: أولهما، كان عقب نجاح الثورة مباشرة، وقد أسفر عن إقصاء التيارات السياسية المعارضة لفكرة الجمهورية الإسلامية، بعد صراع بين هذه التيارات والتيارات التي كانت تدعو إلى تبني هذه الفكرة، ثانيهما: التحول الذي حدث داخل هذه التيارات نفسها التي احتكرت الثورة، حيث إن هذه التيارات وبرغم إجماعها على فكرة الدولة الدينية وانطوائها تحت مظلة حزب واحد هذا الحزب الجمهوري الإسلامي كانت على خلالف فيما بينها حول عدد من القضايا، كان أهمها مدى تدخل الدين في الحياة السياسية·
ولكن التحول الأهم كما يراه المحللون يتمثل في انتخاب محمد خاتمي رئىساً للجمهورية في عام 1997 ببرنامج إصلاحي طموح وعلى حساب منافسه علي ناطق نوري، أحد أهم رموز التيار المحافظ، وقد أدى هذا التحول إلى تقسيم الخريطة السياسية إلى معسكرين جديدين هما، المعسكر المحافظ "اليمين" وضم القوى اليمينية التي ظهرت بشكل تكتل واضح المعالم خلال حكم رفسنجاني، أما المعسكر الثاني فهو المعسكر الإصلاحي الذي ضم إضافة إلى قوى اليسار جميع القوى الأخرى الداعية إلى الانفتاح، وكان فوز خاتمي الساحق في تلك الانتخابات بمثابة إعلان عن عهد جديد في الساحة السياسية يتسيده التيار الإصلاحي·
وهو الأمر الذي كان معناه تقليص نفوذ التيار اليميني الذي كان مسيطراً على جميع مؤسسات الدولة، كما أكدت على ذلك لاحقاً نتائج الانتخابات البرلمانية في عام 2000، التي اكتسحها التيار الإصلاحي، وانتخابات إعادة التجديد لخاتمي في عام 2001·
ولكن ومنذ ذلك الوقت أخذ التيار الإصلاحي يعرف حالة من التفكك والانقسام تصاعدت من مرحلة إلى أخرى، وبلغت ذروتها في مرحلة ما قبل الانتخابات البرلمانية الأخيرة، التي سجلت شروخات كبيرة في صفوفه، كان من معالمها مقاطعة حزب جبهة المشاركة "حزب إصلاحي" الانتخابات في الوقت الذي خاضت فيه تيارات إصلاحية أخرى المعركة الانتخابية·
وكما يشير المراقبون ففي ضوء هذه التصدعات التي عرفها التيار الإصلاحي كانت الفرحة مواتية لليمين للنهوض من جديد، وهو الأمر الذي تحقق بفعل عاملين أساسيين كما يرى المراقبون، أولهما التطورات المهمة التي طالبت الخطاب المحافظ في سبيل التفاعل مع الأفكار المنفتحة التي طرحها التيار الإصلاحي، ثانيهما: ظهور تيار يميني جديد أكثر انفتاحاً يعرف باسم كوادر التعمير، وهو التيار الذي ينسب له تطوير الخطاب التقليدي المحافظ، وبالإضافة إلى هذين العاملين، كان هناك عامل ثالث لايقل أهمية، تمثل في تدهور شعبية الإصلاحيين في الشارع الإيراني، بسبب فشلهم في تنفيذ مختلف أولويات مشروعهم السياسي الإصلاحي·
وكان من نتيجة ذلك كله أن اكتسح تكتل اليمين الانتخابات المحلية التي جرت في فبراير 2003، ثم الانتخابات البرلمانية الأخيرة التي أجريت في فبراير 2004·
ويؤكد المراقبون على أن ظهور كوادر التعمير، كان له الفضل في إعادة اليمين للسيطرة على البرلمان من جديد، إلا أن ظهوره قد يحدث انقساما محتملا في تكتل اليمين بين تيارين، أملهم يمثله تيار كوادر التعمير الذي يطلق عليه مصطلح "الأصوليين الجدد" وثانيهما يتمثل في التيار التقليدي في معسكر اليمين·
وهنا يشير المراقبون إلى أن هذا الاحتمال ينبع من طبيعة الاختلاف الواضح في فكر وتوجهات كوادر التعمير عن فكر وتوجهات التيار التقليدي في اليمين، فالأصوليون الجدد لايرون الدولة تعبيراً عن مصالح طبقة معينة كما يرى التقليديون، وهم أيضاً على خلاف التقليديين لايرون حاجة لتولي رجال الدين المناصب الحيوية للدولة ويكفي أن يتمتع أصحاب هذه المناصب بالمشروعية من قبل رجال الدين·
وقد وضحت في الفترة الأخيرة إرهاصات التحولات بين التيارين "اليميني" المحافظ و"اليسار" الإصلاحي، بل وبين المجموعات المكونة لكل منهما، وعلى هذا النحو فإن الخريطة السياسية ستجد نفسها على موعد مع تحولات كبيرة، سوف تكون لها تداعياتها الكبيرة ليس فقط بانتصار تيارات بعينها وإقصاء تيارات أخرى، وإنما ستكون لها تأثيراتها الكبيرة على مستقبل وهوية النظام السياسي في إيران·