رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 28 رمضان-11 شوال 1410هـ - 5-18يناير2000
العدد 1410

نظرة إلى أهم المحطات الثقافية في قرن عربي
الثقافة العربية تدخل القرن الحادي والعشرين بالقلق المبدع

·         الصدمة الأولى كانت بالاتصال بالغرب الثانية بسقوط الأيديولوجيا

·         "في الشعر الجاهلي" لطه حسين فاتحة مرحلة نقدية جديدة

·         الروائع والمسرح لم يثيرا الجدل لأنهما فنان مستوردان

 

كتب المحرر الثقافي:

يلملم قرننا العشرون أغراضه في سنته الأخيرة ذات الأصفار الثلاثة الآسرة والمعبرة عن المجهول والاحتمالات الكثيرة مستعدا للرحيل· مئة عام مرت على الثقافة العربية اصطخبت فيها الأحداث والمشاريع والأفكار ولعلنا في توقفنا عند أهم محطاتها نتلمس النبض الذي دفق فيها دم الحياة ونستشرف الآفاق المرتسمة ونتشوّف المستقبل الآتي:

 

الاتصال بالغرب

 

كانت الصدمة الأولى التي تلقتها الثقافة العربية هي الاتصال بالغرب الذي جاء نتيجة للتطورات السياسية في القرن التاسع عشر·فبعد غزو نابليون بونابرت لمصر، أدرك العرب البون الشاسع الذي يفصلهم عن الحضارة الحديثة، ولذلك كان أول ما قام به محمد علي حاكم مصر أن أرسل البعثات العلمية إلى فرنسا للاطلاع على العلوم الحديثة، من أجل تحديث المجتمع والدولة، وهي النهضة العربية الأولى، إذا عددنا اتصال فخر الدين المعني بالغرب والاستفادة من خبراته محاولة ضيقة ومحدودة لم تترك أثرا كبيرا، إذ اقتصر همه على الجانبين العسكري والاقتصادي·

وسنلاحظ ثمار هذا الاتصال الأول بالغرب بعد عقود، فمن الصحيفة الأولى "الوقائع" التي أشرف عليها الطهطاوي إلى الأفكار التحررية عند جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده والنديم وقاسم أمين والكواكبي·· إلخ، وهي الأفكار التي افتتح بها العرب القرن العشرين، ولا سيما أن المشروع القومي والاستقلالي قد أخذ يتبلور ويتجذر في العقل العربي، وكان إعدام شهداء العروبة شنقا بأمر جمال باشا السفاح الحد الفاصل بين مرحلتين، مرحلة فكرة الجامعة الإسلامية التي تمثلها الدولة العثمانية، ومرحلة التحرر القومي والاستقلال، وهنا لابدّ أن نلاحظ أن نظرة المثقفين العرب إلى الغرب لم تكن نظرة الحقد والكراهية بل نظرة الإعجاب والانبهار، لأن الغرب مثل لهم نموذج الحرية والعدالة والتقدم، ولكن سرعان ما أخذت هذه الصورة تتشوه في عقول المفكرين والمثقفين العرب، حين اكتشفوا الوجه الآخر القبيح للغرب· وحين بدأت الجيوش الأوروبية تستبيح الأقطار العربية وتفتك بأهلها وتنهب ثرواتها·

 

في الشعر الجاهلي

 

إن أهم محطة ثقافية في الثلث الأول من هذا القرن كان كتاب طه حسين "في الشعر الجاهلي" الذي اعتمد فيه على المنهج الديكارتي في الشك، مما جعله يلقي بظلال الشك على أقدس ما حفظته الذاكرة العربية من أمجاد أدبية، وقد أثار هذا الكتاب جدلا واسعا وقضايا فكرية وقانونية استمرت طويلا ومهما يكن من أمره فإنه كان سبّاقا في تغيير العقلية النقدية العربية في تناولها للتراث والتعامل معه ولذلك كان هذا الكتاب فاتحة عصر التأريخ الأدبي العلمي، وبداية القلق النقدي الضروري لتخليص العقلية العربية مما لحقها عبر العصور من الشوائب والخرافات والإنشائية الساذجة·

 

فن الرواية

 

وعلى صعيد آخر تأسس فنّ الرواية، وكانت رواية "زينب" أول رواية ناضجة فنيا "وليست أول رواية على الإطلاق" جذبت أقلام كتاب آخرين عززوا هذا الفن وطوروه، كما ظهرت القصة القصيرة الفنية الناضجة بعد ذلك بوقت قصير، وكان ظهور المسرح الشعري حدثا جديدا على يد أحمد شوقي، وهو فن لم يكن معروفا لدى العرب، وكانت بدايات هذا الفن بشكله النثري قد بدأت في القرن التاسع عشر في لبنان، والطريف أن هذا الفن الجديد سرعان ما أصبح فنا جماهيريا راسخا، فلم نجد له مقاومة ونفورا عند الناس، فهل كان ذلك لأنه فن جديد لا يزلزل موروثا ولا يمس مسلمات موجودة؟!

 

الشعر ··المركز الأول

 

وفي هذا القرن عاد الشعر ليحتل المركز الأول وتتعزز مكانته، وخير دليل على ذلك أمنح شوقي لقب "أمير الشعراء" وحافظ إبراهيم لقب "شاعر النيل" وغير ذلك من الألقاب التي تدل على رسوخ هذا الفن في الثقافة العربية، ولا سيما أن الشعر في هذه المرحلة كان المعبر الأكثر حيوية وديناميكية عن روح العصر وأحداث المرحلة فهو الذي حمل راية النضال التحرري وواكب الثورات والأحداث الدامية في أرجاء الوطن العربي·

 

ثقافة منتجة

 

وما إن انتصف القرن حتى كانت الأقطار العربية قد استقلت أو تهيأت للاستقلال، وكان جرح نكبة فلسطين يتدفق في جميع الاتجاهات، في الوقت الذي تطورت فيه الثقافة العربية تطورا شديدا وسريعا فقد انصبت تيارات الفكر العالمي وثقافات الشعوب على الساحة العربية ونشأت الأحزاب والتيارات والهيئات وتسارعت الأحداث وظهرت قضايا جديدة في كل مجتمع عربي، فتبلورت اتجاهات الفكر العربي في تيارات مختلفة: القومية الماركسية، الليبرالية، الأصولية·· كما انتشرت تيارات وافدة أخرى كالوجودية والبنيوية· والملاحظ في هذه المرحلة أن الثقافة العربية لم تعد متلقية بل أصبحت منتجة لملامحها وأفكارها واتجاهاتها، إذ إن تطور المجتمعات وعملية التعليم والترجمة والبحث وانتشار الجامعات والمراكز العلمية وفرت للعقل العربي إمكانات لا بأس بها للبحث والدراسة، وهنا نستطيع ملاحظة تطور جميع الفنون الأدبية، وبروز عشرات الأسماء التي حققت حضورا ونجاحا كبيرين، وكان للأحداث السياسية الكبيرة كحرب السويس وحرب 1967 والحرب الأهلية في لبنان دور في هز العقلية العربية هزا عميقا ترك أثرا بعيد الغور في الفكر والفن والأدب·

 

الشعر الحديث

 

وكان ظهور الشعر الحديث في نهاية الأربعينات من أهم المحطات الثقافية وما رافق ذلك من معارك وسجالات نقدية، وكأن الشعر يأبى إلا أن يكون "ترمومتر" الثقافة العربية، فبعد تكريس الشعر في النصف الأول وظهور كتاب طه حسين الذي تناول الشعر الجاهلي جاءت ثورة الشعر الحديث لتؤرخ لزمن ثقافي جديد، ويعود سبب ذلك بداهة إلى أن الشعر أرسخ الفنون الأدبية عند العرب، وأي تغير منه يعني تغيرا في العقلية العربية نفسها، وهو ما لا نجده في الرواية والمسرح الفنيين الجديدين، فعلى سبيل المثال نجد أن الفن التشكيلي العربي واكب أحدث المدارس الفنية الأوروبية، وربما تخطى بعضها، إلاّ أنه لم يثر حفيظة العقل العربي لأنه رأى فيه فنا مستوردا "وهو ليس كذلك"·

 

سقوط الأيديولوجيا

 

الصدمة الثانية التي تعرضت لها الثقافة العربية هي سقوط الأيديولوجيا، فبعد أن تأطرت الثقافة العربية في النصف الثاني من القرن العشرين في إطارين أيديولوجيين هما القومية، والماركسية، وخضعت لقوانينهما الفكرية والفنية، جاءت نكسة 1967 لتنسف الإطار الأول وسقوط الاتحاد السوفييتي لينسف الإطار الثاني، فعلى الرغم من قيود الأيديولوجيا إلا أنها كانت توفر مناخا من الاطمئنان والثقة يتحرك فيه العقل العربي يحدوه حلم التغيير بكثير من التفاؤل، وإن غياب هذا الاطمئنان أفقد العقل العربي توازنه، وجعله إما يرتكس إلى الوراء محبطا، أو يتمحور حول ذاته بكثير من الأنانية المفرطة·

ولكن للمسألة بعدا مستقبليا، إذ إن سقوط الأيديولوجيا يؤدي إلى القلق والقلق يؤدي إلى البحث، وهي فرصة مستقبلية ستستفيد منها الثقافة العربية من دون ريب·

 

القلق المبدع

 

قرن يمضي ، والقضايا العربية لا تزال معلقة، والثقافة العربية لا تزال مفتوحة على الاحتمالات، ولا سيما أننا ندخل - نحن العرب - مرحلة ثورة المعلومات والاتصالات ولهذا يمكن النظر إلى أن القرن المقبل يعد بأشكال جديدة، وأنماط جديدة، وأفكار جديدة، وهي ليست بعيدة كل البعد ، فإن ملامحها بدأت تظهر هنا وهناك، ولعلنا لا نجاوب الصواب إذا قلنا إن الثقافة العربية تدخل الآن مرحلة القلق المبدع، المرحلة التي نبحث فيها عن حلول لمشكلات مجتمعاتنا وأوطاننا وذواتنا، ولا سيما أن سهم جميع المراحل السابقة كان دائما يشير إلى الأمام، مما يجعلنا نثق ونتفاءل منطقيا بالمستقبل·

طباعة  

افق
 
أخبار ثقافية
 
إصدارات
 
في كتابه "إلى أن نلتقي" الصادر حديثاً
أنور الياسين يبحث عن ابتسامة وسط تلال الجهامة

 
استهلك حتى تهلك
الحساب الختامي للقرن العشرين

 
بعيدا عن الضوء ماتوا
 
ضوء
 
نافذة
 
أجراس