رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 28 رمضان-11 شوال 1410هـ - 5-18يناير2000
العدد 1410

في كتابه "إلى أن نلتقي" الصادر حديثاً
أنور الياسين يبحث عن ابتسامة وسط تلال الجهامة

إذا كانت الكتابة هي الحياة، وتعددها هو الوجه الآخر من تعدد أوجه الحياة، وتنوعها ينبع من التنوع الذي تنبني عليه الحياة نفسها في كل أطوارها وتجلياتها· فإلى أي أوجه الحياة أو أنواعها ينتمي أسلوب أنور الياسين في كتابه "إلى أن نلتقي" الصادر حديثاً عن دار الشروق؟

تساؤل يبدو في ظاهره ولمن يتصفح الكتاب بسيطاً للغاية ولكنه في واقع الحال ليس كذلك، فإذا كانت الحياة مزيجاً من الجد والهزل، والخير والشر، الفرح والحزن، فإنه لا يمكن تحديد وجه واحد لمقالات الكتاب الذين بين أيدينا، والذي يبدو لنا في ظاهره فراشة ملونة تتراقص ثم تحط برفق فيما هو في حقيقته وبعد ذلك الرفق الذي يشد القارئ حتى ينسجم مع أجواء المقال يتحول إلى نحلة تغرس إبرتها في كل مظاهر الحياة وربما لسعتها المؤلمة وغير السامة توقظ في القارئ أحاسيس شتى، فيشعر بنفسه وكأنه أحياناً هو المقصود بذاته وأحياناً أخرى أو غالباً فإن المقصودين بذلك هم أناس يعرفهم وهذا صحيح تماماً لأن مواضيع هذا الكتاب مستقاة من واقع الحياة، وما الحياة في كنهها إلا أنا وأنت والمجتمع هذا وذاك المجتمع، فكيف لا أعرف من هم الذين تلسعهم النحلة وكيف لا أشعر بالمعاناة التي تتسلط على أحد جوانبها الأضواء الكاشفة، فيبدو ما نراه كاريكاتيرياً إلى حد ما ونبتسم ولكنها الابتسامة التي تثير في النفس المرارة، فالمعاناة بأنواعها ورغم أن الكاتب يسوقها بأسلوبه الذي يضحكنا هي معاناتنا أو معاناة بعض أبناء مجتمعنا أو أبناء مجتمعات أخرى في عالمنا الرحب·

 

أية ابتسامة

 

إن من يعايش صفحات كتاب أنور الياسين "إلى أن نلتقي" يخلص إلى أن ذلك العنوان الفرعي الذي ينسكب تحت عنوانه الرئيسي يعد هوية للكتاب "البحث عن ابتسامة وسط تلال الجهامة" والمسألة واضحة فالابتسامة والجهامة كلتاهما من صنع الحياة والكاتب وهو يكتب مقالاته التي استحوذت على الصفحة الأخيرة من مجلة العربي، يبدو ممن امتلكوا دقة النظر وبعده وممن استوقفتهم أزمات الحياة وجهاماتها ولكن لم تستطع هذه الأزمات أو الجهامات أن تسرق خفة الروح ورقة الأسلوب والمقدرة العالية على صنع الدعابة، فما أجمل أن أبلغك رسالتي غير السارة وأنا أداعبك أيها القارئ وأضفي على وجهك شيئاً من الابتسامة، مع إنني أعرف أن ما تحمله دعابتي هي وخزة لا يمكن تجاهلها، والوخزة ليست لإنسان محدد وإنما هي وخزة لكشف الواقع بحلوه ومره··! نضحك ونتناقل الدعابة ولكن مع تناقلها يتبعها هدفها، الذي كتبت من أجله، ولعل البراعة في الكتابة تظهر جلية في جانب آخر، ألا وهو تلك المساحة المحددة بصفحة واحدة وبكلمات معدودات ومن خلال هذا التحديد عليك أن تطلق قضيتك وتضعها تحت مجهر البحث ثم تعرض جوانبها وما ترمي أنت إليه دون أن تترك القارئ ودون أن توقف الإثارة التي تضفيها الدعابة على النفس ولو للحظة واحدة، وكثيراً ما كانت الدعابة في مقالات "إلى أن نلتقي" آتية على شكل نكتة ويكون ذلك واضحاً منذ الكلمات الأولى وربما كان المقال بمفرداته يمثل نكتة، وهذه النكتة كيفما كانت فهي تسوق إلى القارئ المعلومة القادمة من الشرق أو من الغرب وأحياناً تكون مستقاة من شبكة الإنترنت وبذلك فهي تتناول الجديد أو الحديث من القضايا بنكهته وبطعمه الطازج الذي تهفو إليه النفس وتشتهيه مقبلة عليه من دون ملل، وإثر ذلك الإقبال فإن القارئ يقف متأملاً الشيء الذي يراه وكأنه يراه للمرة الأولى رغم أنه ربما كان يعايش في صباحه ومسائه ذلك الشيء، يقف مندهشاً وهو يبتسم ولكنها أية ابتسامة، إنها الابتسامة الحزينة، فالقارئ يطوف وسط عالم من المتناقضات المثيرة للسخرية ولكنه يلاحظ أنه أمام تأملات ذكية لواقع يتسم باللامعقولية، إنه مع سفينة تسير في خضم هادئ ظاهرياً ولكنه يموج ويذخر بالعجائب، وفي كل واحدة من مقالات الكتاب التي نافت على السبعين يحس القارئ بلذة الاكتشاف لتفاصيل قد تكون غائبة أو مغيّبة لوقت طويل·

 

بطاقات للمقالات المثيرة

 

ولو استعرضنا عناوين المقالات التي يجمعها الكتاب بين دفتيه فإن هذه العناوين أحياناً تعطي القارئ فكرة عن فحوى المقال وأحياناً هي ضرب من ضروب الإثارة إما لجهل القارئ بها أو لغرابتها أو لتركيبتها فحين نقف مع عنوان "عصر الصورة" فإننا ودون إرهاق تفكير سوف نقرأ معلومات عن الصورة وتطورها ودورها في مجال الصحافة وكيف بدأت الصورة الحية بالانتقال المباشر عبر التلفزيون والإنترنت إلى المشاهد وما دور التقنيات الحديثة في ذلك؟ ولكن حين نقرأ عنواناً من كلمتين "الحاخام والتيس" أو "عنف وعنفوان" أو "في الطول والعرض" فإننا لا ندري ماذا سوف نقرأ تحت هذه العناوين الجذابة؟ وقد يكون العنوان مثيراً كما في ذلك العنوان الذي يشذ بطوله عن قاعدة عناوين الكتاب: "مطلوب طرزان أو قرود عسكرية· للتبني"، ومادام الحديث عن العنوان وإثارته سوف يطول لو درسنا عناوين هذه التشكيلة الطريفة الظريفة من المقالات فإنه تكفي الإشارة إلى أن لعبة العناوين لعبة صحفية ولا يجيدها إلا العاملون في بلاط صاحبة الجلالة، وكاتب هذه المقالات واحد من الذين عرفهم قارئ مجلة العربي كمدير لتحرير يها·

 

إلى المقدمة··· ورؤية الناقد

 

وفيما لو عدنا إلى مقدمة مقالنا هذا وهي ما استعرنا بعضها من مقدمة الكتاب التي سطرها الأستاذ الدكتور جابر عصفور فإنه لابد من التوقف معها ملياً، ومادام الوقت مع كل واحدة من مقالات الكتاب التي تشد القراء للمرة الثانية والثالثة أيضاً، صعباً، ومادام تقديم هذه المقالات للقارئ بمجملها عبر هذا التعريف بالكتاب غير ممكن فمن الأجدى التوقف مع النظرة الحادة والتأمل المتفائل والجميل للناقد الدكتور جابر عصفور الذي يقول: وإذا كانت الحياة مزيجاً من الجد والهزل، الخير والشر، الفرح والحزن، فالكتابة فيها ما في الحياة من تنوع وتعدد، وتزيد على ذلك رهافة الشعور الإنساني، ودقة الفكر وعمق الاحساس واتساع مدى الرؤية، والتقاط النكتة الدالة التي تضيء العقل بالفهم والشفة بالبسمة·

وأتصور أن ذلك هو السبب الذي جعل المجلات والجرائد المعاصرة تحرص على ألا تنغلق صفحاتها في اتجاه واحد وتقتصر على فن دون غيره··· وقد أحسنت مجلة "العربي" صنعاً حين أوكلت إلى مدير تحريرها أنور الياسين كتابة الصفحة الأخيرة "إلى أن نلتقي" وهو عنوان يجذ القارئ إليه بما ينطوي عليه من حميمية ومن علاقة شخصية بالقارئ· تلك نظرة واحدة من أساتذة النقد إلى هذه المقالات وكاتبها آثرنا أن نختتم بها وقفتنا مع هذا الكتاب المشوق·

طباعة  

افق
 
أخبار ثقافية
 
إصدارات
 
نظرة إلى أهم المحطات الثقافية في قرن عربي
الثقافة العربية تدخل القرن الحادي والعشرين بالقلق المبدع

 
استهلك حتى تهلك
الحساب الختامي للقرن العشرين

 
بعيدا عن الضوء ماتوا
 
ضوء
 
نافذة
 
أجراس