| أولا: انهيار نظام البعث الحاكم في العراق وما صاحب ذلك من تراجع الهاجس الأمني رغم أهميته الى مراتب أدنى في أجندة العمل السياسي الكويتي وما ترتب على انهياره من أمثولة تتهدد أنظمة أخرى لها فلسفة الحكم نفسها بأدوات أخرى أكثر جاذبية، وبالتالي فإن المجاورات الجغرافية للكويت أصبحت عنصرا أساسيا في توسيع النشاط التجاري كنتيجة طبيعية لحاجات العامة في دول ذات عمق سكاني ضخم مقارنة بحجم الكويت إلا أنها في المستقبل المنظور هي حاجة أساسية لربط كيانك كدولة بالمصالح الاستراتيجية لتلك المجاورات، وبالتالي يمكن اعتباره أحد أهم مقومات المنظور الاستراتيجي للدولة خلال السنوات العشر أو العشرين المقبلة·
ثانيا: تسيطر الكويت على ما يعادل تقريبا 99 مليار برميل من النفط في باطن الأرض مما يجعلها تتحكم تقريبا من %10 الاحتياطات النفطية العالمية ومثل هذه الثروة تقدر بأرقام فلكية تجعل من الكويت على الصعيد الاقتصادي من أغنى دول العالم إن لم تكن أغناها بالقطع مما يقوي موقف الكويت التفاوضي وجعلها كعبة لرؤوس الأموال والمستثمرين ويضعها في المنظومة الدولية كدولة ذات ثقل يتجاوز حجمها الحقيقي وفي حال استغلال مثل هذه الثروة فإن كثيرا من الفرص الاستثمارية والتبادل التجاري والمصلحي مع باقي دول العالم يجعل من موقف الكويت التفاوضي أقوى من أي وقت مضى ويفرض على نظام الحكم تطوير ذاته وإلا سيكون تحت وطأة ضغط محلي ناتج من تطلعات عالية المستوى للشعب من ناحية ومطالبات حقيقية لفتح السوق وتوفير الخدمات الضرورية للمستثمرين العالميين وما يحملون في حقائبهم وعقولهم من أفكار ورؤى ستتجاوز بالقطع قدرة النظام الحالي على استيعابها بالدرجة المطلوبة·
ثالثا: لعل برامج التخطيط التي تبنتها حكومات الكويت الليبرالية خلال العقدين الخامس والسادس من القرن الماضي جعلت من الكويت واحدة من أكثر الدول إقليميا امتلاكا لقواعد البيانات عن التركيبة السكانية وحركة النمو والتغييرات المرئية وغير المرئية التي تحدث الى الواقع الديمغرافي في الكويت واستنادا إلى مثل هذه البيانات يمكنك أن ترصد وبشكل واضح حجم الضغط الناتج على السلطة التنفيذية من حيث توفير الخدمات الأساسية لمجتمع تشكل فيه طبقة الشباب الشطر الأكبر منه والذي يبلغ أكثر من %65 من إجمالي عدد السكان وما يترتب على مثل هذا الرقم المخيف من ضرورة توفير فرص عمل إضافية وخدمات تطبيب عالية المستوى وخدمات مساندة أخرى تلتزم السلطة التنفيذية بتوفيرها من خلال نصوص دستورية واضحة لا تحتمل التأويل وبالتالي فإن خلق مثل هذه الفرص الوظيفية هو بالقطع عبء كبير حتى على أكثر الحكومات تمرسا وحنكة وبالتالي فإن خيار فتح الأسواق ومشاركة القطاع الخاص في استثمارات خارجية وسن القوانين الاستثمارية التي تشجع رؤوس الأموال على الاستيطان هنا ليس واحدا من خيارات الترف الاقتصادي بل هي ضرورة ملحة يجب الإسراع بها فورا حتى تتمكن الدولة من تجاوز أزمات حقيقية على هذا الصعيد ليست لها القدرة على تحملها في حال وقوعها·
رابعا: لعل تجربة إمارة دبي لهي إحدى التجارب المبهرة على الصعيد الدولي وليس الإقليمي فقط وما حققته هذه الإمارة ودولة الإمارات من تنويع في مصادر الدخل من خلال توفير اقتصاد خدمي متكامل نوع مصادر الدخل القومي للدولة بحيث لم تتجاوز حصة البترول من إجمالي الدخل القومي في السنوات الأخيرة %60 من إجمالي الدخل أي %40 الأخرى يتم تحقيقها من خلال الحركة الاقتصاد الحر تجارة الترانزيت وغيرها من الأنشطة الخدمية المصاحبة، وبالنظر الى هذه التجربة التي تستحق الدراسة بعمق نجد أن الكويت، ونظرا الى مركزها الاستراتيجي في شمال الخليج العربي كنقطة التقاء مركزية بين كل من العراق وإيران وما تتمتع بها هاتان الدولتان من عمق سكاني ضخم يوفر فرصا حقيقية لتجارة الترانزيت من والى هذه الدول ومثل هذه الفرص على الصعيد الخدماتي تتطلب توفير قدرات بشرية حقيقية للتعامل مع مثل هذه الأنشطة، وبالتالي فإن السلطة التنفيذية مطالبة بتطوير النظام التعليمي بشكل سريع وابتكاري وربطه بالمنظور الاستراتيجي للدولة وتثقيف السكان سياحيا وخدماتيا حتى تستطيع التنافس مع من سواك في هذا المضمار وبناء استراتيجية تعليمية تؤدي الى خلق فرص حقيقية للتنافس والابتكار على الصعيد الفردي حيث تفتقدها الأجيال الحالية بشدة·
إن السلطات الثلاث التي يرتكز عليها أي نظام سياسي ديمقراطي مطالبة الآن بالعمل على رسم استراتيجية واضحة لمستقبل الدولة يتسق مع متطلبات الوضع الراهن وتطلعات الشعب بعيدا عن التكتلات السياسية والاقتصادية التي تحكم الحياة السياسية الحالية والتي تعمل ليل نهار على تجيير كل عمل وطني الى مصالح شخصية ومكاسب سياسية واقتصادية سواء بقصد أو بحسن نية إن أنصاف الحلول والتراضي والتجاوز لم تعد وسائل تناسب المرحلة، والنظرة الاستراتيجية تفرض استحقاقات دولية على الكويت تتجاوز الأساليب التقليدية في الحكم ووسائله بل تتعداها في أحيان كثير حاليا وسوف تتعداها بالقطع مستقبلا من حيث شخوص القائمين على النظام السياسي، وبالتالي فإن أسرة الحكم مطالبة أكثر من أي وقت مضى بالعمل على تطوير نفسها حتى تتلاءم مع متطلبات حقبة ما بعد الانفتاح من حيث أساليب التفكير وأدواتها ومن حيث الإعداد والقدرة على الانسجام والمواءمة مع التغييرات المنشودة·
إن فشل غورباتشوف في بناء اتحاد سوفييتي جديد محكم بعدد من العوامل الداخلية والخارجية التي ساعدت بشكل أو بآخر في انهيار هذا الكيان المتهالك، والكويت كما أسلفنا ليست كالاتحاد السوفييتي بأي حال من الأحوال وفي حالة الكويت فإن عوامل عدة تجعلنا أكثر وثوقا بنجاحنا وتقيم الحجة على من سيأتي من بعدنا وهي:
أولا: بناء نظام تعليمي يعزز مفهوم المشاركة الشعبية ويوطن الحس الديمقراطي كنظام حياة في الجيل الناشئ وتربط مخرجاته باستراتيجية الدولة العامة ويواكب العصر ويتقبل الثقافات الأخرى·
ثانيا: تعزيز مفهوم المشاركة الشعبية وتقبل الديمقراطية كنظام حياة عند الجيل الجديد من أبناء أسرة الحكم وتجاوز أدوات الحكم الحالية ونزع صفة القدسية عنها مع الاحتفاظ بالدستور موجها للحياة السياسية في الدولة·
ثالثا: بناء استراتيجية عامة للدولة وتسويقها على أنها السبيل الى بناء كويت أفضل لمستقبل أكثر أمنا تشارك السلطة التشريعية في بنائها·
رابعا: تعزيز مفهوم الأمن الداخلي من خلال احترام الحريات والقانون وتجاوز المتاجرة بمقومات الحياة الأساسية للفرد كالسكن والصحة والتعليم من قوى سياسية تتمتع بالعمق الاقتصادي أو الشعبي أو الرمزية السياسية·
خامسا: الاستعداد لتقبل المجاورات الجغرافية كجزء من واقع الحياة اليومية في الكويت والتعاون معها من باب المصلحة وليس التبعية أو الاسترضاء·
إن بناء جيل جديد لقيادة الكويت الى مرحلة جديدة في عالم تتحطم فيه الحدود وتتداخل فيه الثقافات وتسقط المحرمات وتنهار الرموز لهو تحد حقيقي يفرض نفسه بقوة على واقع الحياة السياسية المحلية في الكويت ومستقبل الوطن ليست مسؤولية خاصة بل هي مسؤولية عامة تتطلب العمل الجاد وتجاوز حالة التراخي في مؤسسات الدولة والمجتمع·
انتهى |