رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 6 ديسمبر 2006
العدد 1753

قصة قصيرة

حياة صغيرة خالية من الأحداث

 

                                      

 

باسمة العنزي

يصعب على المرء أحيانا وبالأخص·

المرء تعس الحظ صديق الخيبات أن يجد أمانيه تتحقق هكذا بمجرد التمنى

أسامة الدناصوري عين سارحة وعين مندهشة

 

"1"

 

هل تعيشنها بنفس الطريقة؟ سألتها العجوز بنبرة درامية لو هيئ لك أن تعيشي حياتك مرة أخرى ردت بابتهاج وشيء من الأمل! سأحياها بشكل مختلف تماما بالتأكيد لا ستخدعك الحياة ولن تعاشري سوى الغياب: تصرخ العجوز بحنجرة مخيفة·

ثمة امرأة ملتزمة حد الرعب تصحو تستيقظ من حلمها المزعج على هاجس أنها تأخرت عن العمل معها وتغفو دون أن تتركها للحظة تمرد واحدة تطفو بها في فلك جديد·

تلتصق بطرف سريرها متمنية أن تسترجع قائمة المهام المناطة بها للساعات العشرين القادمة ليتها تتخلص من تفاصيل يبست في العظام  وتتقمص تستبدل قناعها اليومي المستهلك بآخر جديدها، ملامح مضيئة مدحرجة رأسها التي تختبئ فيه عشرات المسؤوليات المعلبة على بلاط من الكلمات اللامعة·

ترغب في الإمساك بقطعة، لم تكره يوما ذاتها الجميلة لكنها سئمت والزمن يتقدم جزيرتها الصغيرة، ما أجمل الحياة بدون أن تستنزف طاقتها ووقتها من "لوّح" قديمة تعبر بها الي ضفة مجهولة ممطرة يحدث أحيانا أن تتراكم عليها غبار الروتين دون أن تملك لحظة تزيل بها ما علق، أجل الاخرين داخل رئتيها·

يفتح، تنهض من سريرها تكاد تتعثر بلعبة طفلها البلاستيكية والملقاة منذ البداية ليلة البارحة قرب المنضدة الباب الموصد يتسلل الضوء تدريجيا لتبدأ رحلة اللهاث اليومية بفتور من انطفأ فانوسه السحري وتدثر بالصمت·

 

"2"

 

وضعت نظارتها الطبية تفتح عينها وتحدق في النسوة اللاتي يملأن غرفة المعيشة والممر القصير بدت ككائن غير مرئي تظاهرت بالجرأة وتقدمت وسط الغريبات·

صوت خطوتها يرن في أذنها وهي تذرع المسافة القصيرة تضغط الذاكرة تبتسم بحزن للضيفات بحثا عن وجه تتوسد فيه حلم التخلص من قناعها الذي سئمت نساء مألوفات الوجوه مختلفات التضاريس والأشكال بعباءات جديدة ودرجات متفاوته من الأنوثة تحدق بهن تشعر بالغربة وتجتاح قلبها وحشة عاصفة لصغيرها الذي يغمر المكان بروائح جميلة بدا وجوده وهما عندما اندلقت وجوه النساء غازية مكانها ويومها·

وتبدو قافلة الغريبات المجتمعات من حولها كأنهن خرجن للتو من صفحات الصحف اليومية وتقاطرن من شاشات السينما وردهات المجمعات التجارية الحديثة ليزاحمنها في صبيحتها الشتوية الجدباء الستائر منسدلة والأبواب موصدة وهي ترصد أجسادا ملونة  ووجوها بلا ندوب تتحرك في سماها الضيقة·

لسعة البرد الخفيفة تنسل من فتحة القميص الى قلبها مباشرة شعرت بشيء من التشويق أن تجد نفسها بعيدة عن مكانها المعتادة رغم أنها داخل حجرة معيشتها·

 

"3"

 

كحة صغيرها النائم توقظها فزعة من نومها الذي بلا أحلام ولا حنين تصحو لتشد الغطاء الشتوي عن جسد الطفل وتحاصر برودة الهواء في الغرفة الضيقة·

يذهلها أحيانا كم هي وحيدة ومحاصرة بالعزلة رغم الوجوه التي تتكاثر من حولها في زحام نهاراتها المتسارعة·

كانت لها أحلام عظيمة كالبالونات ملونة منطلقة نحو نقطة مجهولة في سماء جميلة لا تعرف كيف فرغت من محتواها تدريجيا وتطايرت خلف الغيوم السوداء لتتساقط أمطارا متفرقة على أرض قاحلة·

والأشياء النابضة بالحياة أمست لا تتحرك سوى بإيقاع بطيء النظرة المندهشة أصبحت مستسلمة تدور في فلك أيامها ومهامها باستسلام مبهم تشعر بروحها مطوقة بضجيج  خارجي وملل داخلي كأنها ترس صغير في مصنع عملاق لا مجال للتوقف وإلا شلت حركة جميع الأجزاء لكن ثمة أخرى بداخلها لا تكف عن العويل بين حين وآخر رافضة التقوقع والانشغال بأشياء صغيرة باتت تنسج من اهتمامها بها بيت عنكبوت مثبت على بابها·

 

"4"

 

من بين الوجوه الغريبة التي ملئت الفراغ من حولها وجه صديقة قديمة بدت أجمل مما مضى لكن الصديقة، النوع الذي يغذي ذاته بالسعادة دون التوقف لتقديم أي تضحيات صغيرة للآخرين، القديمة لن تترك مكانها ساعات في زيارة امرأة تقليدية عرفتها فيما مضى ولا مصالح امرأة قرضت فئران السنين صرة حكاياتها، حالية تجمع بينهما·

كانت تتوقع منها الكثير وتنبأت لها بدرب تتبين وجه مدرسة اللغة الانجليزية في مدرستها الثانوية خجلت أن تقترب منها وتسرد باختصار واقعها الذي لا يتجاوز بضع عبارات عملها بدا الآن سرابا ومسؤولية أسرة تستهلك طاقتها وأيامها كساعة رملية ما أن تنتهي مهمتها حتي الذي تزاوله برتابة لم يكن هناك تبرير حقيقي للحياة الصغيرة الخالية من الأحداث التي يتم قلبها لتبدأ من جديد تعيشها·

ثوب جديد بوجه، تسير وسط النساء تقرر اختيار وجه يخرجها من عزلتها وذاكرتها وجسدها جديد وزمن جديد·

تلتفت تبحث في العيون الجامدة كلعب الأطفال عما تتمنى تحدق بهن: تحجم عن الاختيار يتملكها الشك في رحلتها القصيرة المزيفة أليست لكل منهن ضجرها الخاص بها يتمدد مع أيامها كخيوط مطاطية كافية لنسج حياة صغيرة خالية من الأحداث!!

وبثوب بدا مليئا بالرقع، تمتمت بذلك وهرعت للاستعداد ليوم آخر من السباحة في بحر ضحل·

طباعة  

وزير الإعلام اعترف بوجود قصور في دعم الثقافة
بالحفاوة وتكريم المبدعين انطلقت فعاليات مهرجان القرين

 
حصدت جائزة ليلى العثمان للقصة والرواية
ميس العثمان: سافرت بعيداً ونسجت عزلتي