| إن التحولات الكبرى التي تجرى الآن في أنظمة المعلومات والاتصالات وشبكات الانترنت قد أدت إلى تلاشي المسافات الجغرافية بين الدول، وبروز مفهوم المشاركة والتفاعلية العالمية الذي أعاد تشكيل العالم انتاجاً وتسويقاً من خلال التجارة الالكترونية، والتوسع في استخدام الحاسبات الالكترونية في تنفيذ أوامر البيع والشراء، وانتهاج سياسات مالية تستند إلى وحدة أسواق المال العالمية، ووحدة العملة· وبدأ البحث عن ثقافة متعولمة تتلاءم مع حضارات الشعوب ومع الشخصية الوطنية المحلية لكل شعب، وإعادة صهر هذا كله في بوتقة ثقافة عالمية تعظم عوامل التشابه والقرب بين تراث الشعوب·
إن تنامي وسائل الاتصال بين شعوب العالم وتزايد أدوات المعرفة الالكترونية وانتشارها وتطور استخدامها في الحياة العملية يسرت سبل التخاطب بين المجتمعات، مما ساعد على تزايد الحضور الاجتماعي العالمي وتكون رأي عام عالمي مجتمعي في كثير من القضايا الإنسانية البشرية، وتعدى الاهتمام بالمشكلات المحلية والقومية إلى المشكلات العالمية· فتغيرت أشكال الحكم في الكثير من المجتمعات من أنظمة انغلاق قمعية إلى ديمقراطية تعددية قائمة على المشاركة والتعاون· وتغيرت نظرة المجتمعات المتطورة لعنصر الزمن وقيمة الوقت، وزاد الاهتمام بالأنشطة الإبداعية للإنسان في مختلف مجالات الحياة، وبصفة خاصة المجالات الفكرية، وتصاعد أهمية الصفوة العلمية وحضارة الرأي الراجح العقلاني وتنامي مفهوم دولة المؤسسات القادرة ذاتياً على التطور المنهجي وتفعيل المنهجية العلمية والمصلحة الوطنية في حل مشكلاتها·
وفي خضم إرهاصات العولمة، وآلياتها المنطلقة دائماً للأمام، تبقى كتلة دول وشعوب متخلفة، تمارس القهر والتسلط، ويعشش فيها الفساد والإفساد، وتتحرك فيها النزعات القبلية والطائفية، تعيش حالة الجمود والتخبط المدمرة للإمكانات، والمبددة للطاقات بتعقيداتها الإدارية والبيروقراطية· كتلة نماذج تقليدية اجتماعية تتبنى أطروحات سطحية مناهضة لحقوق الإنسان، كتلة تؤمن بمفهوم تجميد التاريخ، ومبدأ إيقاف الزمن، تعشق ازدواجية المواقف والعجز عن الفعل الابتكاري، وترفض كسر الحاجز النفسي الناتج عن الخوف من مجاهل المستقبل· هذه الكتلة المتخلفة ستتجاوزها دول العولمة تاركة إياها تقضي على ذاتها بذاتها· فالعالم يعيش مرحلة جديدة من التطور الإنساني، مرحلة صناعة الفرص من خلال التحالفات الاستراتيجية وعمليات المشاركة والتعاون، قائم على التفوق على الآخرين من خلال امتلاك مزايا تنافسية تحقق وتصون المصالح الوطنية العليا· فنحن في حاجة إلى تدعيم كتلة القوى الوطنية التي تملك القدرة على التحديث والتطوير، وتعي حركة التاريخ وتزداد معها، وفيها حقوق الإنسان والديمقراطية والحرية المسؤولة والملتزمة· |