| في الحقيقة أعتقد أنني غبطت نفسي، أو بالأحرى حسدت نفسي في يوم من الأيام على امتلاكنا في البلد عقلية تعتبر من العقليات المنفتحة على المستقبل بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى، ولكن فعلا كما يقال "ما يحسد المال إلا أصحابه"، كان هذا هو شعوري الذي أصيب إصابة قاتلة، عندما استمعت إلى الدكتور الفاضل عبد الله النفيسي في برنامج من برامج قناة الجزيرة، إن كان د· عبد الله لا يدرك مدى أهمية دوره في تطوير أداء المجتمع بشكل عام فهذه مصيبة أخرى نُمنى بها، لقد مثّل الدكتور النفيسي لجيلنا المتعلم نموذجا راقيا في الأداء والرؤى المستقبلية، ومنذ بدأ د· النفيسي بغسل حمامات الجامعة وأنا متابع لكل ما يبدر منه سواء كان إلقاء للمحاضرات أو تصرفاته أو طريقة عرضه المتميزة أو إصدارات من كتبه التي هي نتاج فكره الراقي، وأدركت فعلا أننا أمام عقلية لابد من استثمارها استثمارا جيدا، ليستفيد منها المجتمع من خلال هذا الفكر الراقي والآراء المتنورة، وأيضا كان له في الحياة السياسية العامة الكويتية دور لا نبخسه، هكذا كان د· عبد الله قبل أن أسمعه وأراه بذلك البرنامج، وعندما أضع الدكتور النفيسي بين الحقيقة والتاريخ فإني أضعه في المكان الذي يجب أن يعي به خطورة هذا الطرح، نحن لا ننكر على الدكتور آراءه، ولكن ليكن منصفا في طرح الحقائق، ومن أكبر الحقائق نضال الكويتيين على مدى تاريخهم ومطالبتهم المستمرة، بإيعاز من ضمائرهم التي رأت أن تطوير البلد يكمن بالنهج التشاوري الديمقراطي، أن وقائع "سنت" سنة مجلس 1938 وما نتج عنها من تفاعلات وأحداث وتداعيات، لهي أكبر دليل على أن الديمقراطية التي أوعزها إلى الانجليز، ومن ثم الأمريكان، هي نتاج كويتي بحت لا يستطيع أن يخبىء الشمس بمنخل، هذا جزء من التاريخ النضالي، وما لجوء العدساني سكرتير ذلك المجلس إلى خارج الكويت، إلا لجوء سياسي، الذي يعتبر أول كويتي يلجىء سياسة إلى دولة مجاورة وهذا من بطن التاريخ وليس مني، أما من قدموا أرواحهم فداء للوطن فأسماؤهم محفورة في ذاكرة التاريخ والأجيال ونتيجة لظروف الكل يعرف مدى حساسيتها، فإن تسجيل هذه الأسماء في كتب التاريخ مستحيلة في الوقت الحالي، ولكن في يوم من الأيام ستخلد هذه الأسماء وتكتب أسماؤهم بماء الذهب، هؤلاء هم من مهدوا لنا طريق الحرية، وبعد ذلك المجلس تداعت الأحداث وتطورت إلى أن تمخض عنها ولادة دستور دولة الكويت لولاه لكنا في عداد الدول التي اندثرت في ذاكرة التاريخ، "السبب الرئيسي الذي استند عليه دفاع الرئيس بوش أمام الكونغرس الأمريكي وقال بالحرف الواحد: إننا ندافع عن بلد ديمقراطي ولديه دستور، ردا على أعضاء الحزب الديمقراطي عندما قالوا كيف ندافع عن عشيرة؟"·· نعم هذه هي الحقيقة التي يجب أن يعيها مثقفو البلد، أما استقالة نواب الشعب من المجلس المزور سنة 1967 فهي شكل آخر من أشكال النضال والاحتجاج السلمي، أما ردة الفعل على حل مجلس الأمة غير الدستوري لسنة 1976 كانت نتيجتها عودة الحياة البرلمانية عام 1981· صحيح أن هناك أحداثا وإرهاصات أجبرت الحكومة على تدارك خطئها وإعادة البرلمان ولكن في النهاية أعيد البرلمان والحياة البرلمانية ، أما نضال الكويتيين بعد حل مجلس الأمة غير الدستوري مرة أخرى في سنة 1986 فقد تجلى بإدخالهم في القاموس الإنجليزي اسم "ديوانيه" حيث كانت هذه الكلمة لم تدخل ذلك القاموس العريق الذي نهلت منه ثقافتك قبل ذلك التاريخ إلا عن طريق مراسلي الوكالات الأجنبية، أي عندما حل مجلس 1986 وتم تعليق العمل ببعض مواد الدستور وفرض الرقابة على الصحف، لم يجد الكويتيون وسيلة لإيصال رأيهم إلاّ الدواوين·· وللحقيقة والتاريخ أذكر لك وللتاريخ أيضا، أن أول من ابتدع ما سمي بندوة أسبوعية بديوانه - أي ندوة بمعنى الكلمة وليست على الطريقة التقليدية التي يتبادل فيها الحضور الأخبار وتبادل الآراء بالديوان، ندوات كانت تسجل على أشرطة كاسيت وأشرطة فيديو وتوزع، يتحدث فيها صاحب الديوان ويجمع الناس حوله لسماع آخر المستجدات والأخبار التي تدور في البلد - هي ديوانية المناضل الفاضل الذي لا يُنكر دوره في الحياة السياسية ونضاله المشرف، الأستاذ سامي المنيس بديوانه بمنطقة العديلية، ومن ثم انتشرت هذه الظاهرة "أي ظاهرة الندوات الأسبوعية" على مستوى دولة الكويت إلى أن وصلت ذروتها بدواوين الاثنين والتي تفرغت لها أجهزة الدولة الرسمية كلها وبكامل طاقاتها تاركة المهمات الرئيسة المكلفة بها، وأخذت في ملاحقة المطالبين بعودة الحياة البرلمانية وتم اعتقال العديد من الشرفاء نتيجة هذا التحرك وأعتقد أنه لن تخونك الذاكرة للتجمعات التي حصلت سواء بمسجد المشاري بمنطقة اليرموك، ومن ثم الانتقال إلى ديوان أحمد السعدون في منطقة الخالدية، وتحول اللقاء من ديوان السعدون بعد محاصرة قوات الأمن له ومنع الكل من الاقتراب منه الى ديوان الفضالة بمنطقة العديلية وما نتج من هذا التحرك من استخدام القوة مع الجماهير الكويتية، واستمرت هذه التحركات التي انتقلت إلى منطقة الفروانية التي أيضا أتذكرك تماما عندما منعت قوات الأمن الجماهير الاقتراب من ديوان عباس مناور بمنطقة الفروانية، وإذ بك أنت بشخصك تفتح باب السيارة وأنت جالس في المقعد الخلفي بالشارع المؤدي إلى المطار وكنتم أربعة أشخاص لم أتبين منهم إلا أنت ،لتخبرنا أن اللقاء لن يتم بديوان مناور، لأنه محاصر بقوات الأمن وأن اللقاء سيكون عند مسجد الخرينج ولدي شهود على ذلك، وتم اللقاء في مسجد الخرينج واستخدمت هناك القوة لتفريق المجاميع، كما إن التجمع الذي حصل والزفة الديمقراطية التي حظي بها أحمد نصار الشريعان من مخفر الفيحاء الى الجهراء والتي هوس بها أحد الإخوة وأطلقت عليه عبارة "يعف اللسان ومقام القراء عن ذكرها" وهي لا تحتاج الى شاهد على الأحداث لأننا عايشناها لحظة بلحظة، أما التجمع الذي حصل بمسجد فاطمة بمنطقة ضاحية عبدالله السالم، وبمشاركة المرأة الكويتية التي أطلقوا أيضا عليها عبارات لم تحترم حرمة المسجد على أقل تقدير واللقاء الذي تم بديوان مشاري العنجري وغيرها الكثير المثبت، سواء بالصوت أو الصورة، ونتيجة لكل هذا التحرك وهذا النضال المتواصل ظهرت لنا سياسة سُميت بسياسة الحوار لامتصاص جزء من النغمة الشعبية المطالبة بعودة الحياة الديمقراطية والتي أيضا تمخض عنها ما أطلق عليه تجاوزا المجلس الوطني، الذي ولد ميتا، واستمر نضال الكويتيين في طريق مقاطعتهم بالمشاركة بهذا الوليد غير الشرعي الذي أخذ بعض الإخوة على عاتقهم مراقبة كل من يشارك في هذا المشبوه الخارج من رحم الانفراد والتفرد بالقرار، وأذكر أن عددا من الإخوة كانوا يراقبون ويحصون من يحضر للمشاركة بهذه الانتخابات البائسة· ما دعا قوى الأمن الى أن تصدر لهم الأوامر بعدم التواجد أمام المدرسة، وإلا اتخذ بحقهم الإجراء اللازم، لماذا يا دكتور عبدالله تبخس حقك أنت في النضال الشعبي ودورك في دواوين الاثنين؟ إنني أتذكر تماما كلماتك وصورتك ما زالت في مخيلتي وأنت تخطب في الجماهير الغفيرة التي شاركت بتظاهرات الاثنينيات في ديوان الأسير الفاضل فيصل الصانع - فك الله قيده من الأسر - أليس هذا هو نضال كل الشعوب المتطلعة للحرية والديمقراطية؟ أليست عملية اعتقالك بسبب ندوة شاركت بها جزءا من نضال هذا الشعب؟ الذي كان لي الشرف بتهنئتك بالسلامة بعد الافراج عنك في ديوانكم بمنطقة الشامية· إذا كنت غير مقتنع بهذا النضال فهذا شأنك وحدك ولكن لا تبخس حق الشعب الكويتي ودوره في الحياة السياسية والديمقراطية، وتوعز كل ما في هذا النضال الى الإنجليز والأمريكان، نحن لا ننكر دور الإنجليز والأمريكان في الوقت الحالي فقط وأكرر الآن بدعمهم للديمقراطية ليس بدولة الكويت فقط، وإنما في دول العالم أجمع، وكنت أعتقد أنك استوعبت فكرة تحول استراتيجية الأمريكان والغرب بشكل عام في النهاية من دعمهم للدكتاتوريات المنتشرة بالعالم الى دعم للديمقراطيات! وهذا لم يكن خيارا أمريكياً أو غربيا فقط وإنما كان خيار شعوب الأرض قاطبة، كما أن استيعابهم لدروس دعم الدكتاتوريات قد أفادهم كثيرا خصوصا بعد التجربة الإيرانية التي لا يزال الأمريكان يحصدون تعاسة دعمهم للشاه المقبور الى يومنا هذا، أي بعد عشرين سنة تقريبا·
الدكتور عبدالله النفيسي هناك الكثير من الحوادث والوقائع التاريخية التي تؤكد دور الشعب الكويتي في ترسيخ الحياة الديمقراطية، أما إذا كانت هذه الحوادث ينسبها التاريخ الى القوى الديمقراطية الليبرالية منذ بداية القرن العشرين ولا ينسبها الى قوى متخلفة حاولت في يوم من الأيام أن تنتسب لهذه الأحداث ببعض رموزها، فإن التاريخ هو الذي سينصف بين القوى التي شاركت في صياغة هذه الأحداث، ومن الواضح لنا أن قناعتك رفضت ذلك النهج المتخلف، لذلك نأيت بنفسك وتنصلت من الانتماء لأي تيار موجود بالساحة، وفضلت بعد أن تمكن منك اليأس أن تقف على برج عاجي وتصيغ الحوادث بصياغة نفسية بائسة، ومع ذلك فهذا لا يعطيك الحق وأنت دكتور العلوم السياسية أن تجيّر كل نضال الشعب الكويتي على مدى عشرات السنوات الى الإنجليز والأمريكان! فهذا والله ظلم للتاريخ وللحركة الوطنية الكويتية·
أما ما ذكرته من أن الأسلوب أو السياسة المتبعة حاليا سياسة "قل ما تريد وأنا أفعل ما أريد"، كذلك لم يجف حبر المطابع من على صدر صفحات الجرائد حول موضوع المطالبة والضغط الشعبي العارم، الذي تولد لدى الجماهير بعد صدور الحكم البريطاني على المتهمين بقضايا المال العام، والكل يذكر كيف كانت ندوة بعد أخرى تعقد وتتبادل فيها الآراء وتطرح القضايا ودور الحكومة ورأيها بهذا الحكم، مما حرك القضية وبشكل لولا هذا الضغط لما تم تحريكها مما دعا البعض الى تسمية هذه التجمعات بالغوغائية· مثل ما أطلقوا على الكويتيين أيام الاثنينيات قوم ما كاري، وهذا أكبر دليل على أن سياسة "قل ما تريد وأنا أفعل ما أريد" غير موجودة إلا بمخيلة من يريدها أن تكون كذلك·
أما ما طرحته حول قضية إعطاء المرأة حقها السياسي ومعارضتك لهذا الحق الشرعي، فإننا نقول لا حول ولا قوة إلا بالله، إذا كانت عقلية مثل عقليتك التي تتمتع بها ترفض حقا من الحقوق التي وهبها الله للبشرية جمعاء، وحجتك بأن المجتمع الكويتي يكفيه ما به من تهتك اجتماعي وانتشار المخدرات و···الخ· وكأن بممارسة الفاضلات من نساء هذه الأمة دورهن في التشريع والرقابة سيكون أول ما يطالبن به هو فتح البارات ومواخير الدعارة والتصريح بتعاطي المخدرات، نرى أنها حجة يمكن لأي طالب من طلبتك أن يرد عليها ويفند رأي المعارضين·
اتقوا الله بطرحكم وليكن بيننا ميثاق شرف نتفق عليه، وخطوط حمراء يلتزم بها الكل ليمكننا أن نطور الكويت ودورها الريادي في المجال الحضاري الخليجي والعربي· |