بقلم: عبدالله النيباري
على غير ما كانت ترغب الحكومة وتتمنى تأجلت مناقشة مجلس الأمة لمشروع تطوير حقول الشمال النفطية الى دور انعقاد مجلس الأمة المقبل بسبب ضيق الوقت وازدحام جدول أعمال المجلس قبل العطلة، وقد يكون في التأخير خير لإفساح المجال في بداية الدورة المقبلة لنقاش واسع ومعمق·
ومع ذلك يمكن إبداء بعض الملاحظات على قرار اللجنة الاقتصادية بالمجلس بالموافقة على القانون المقترح من الحكومة بتفويضها بالتعاقد مع الشركات الأجنبية بعد إدخال بعض التعديلات عليه·
وأهم التعديلات التي أدخلتها اللجنة تنصب بصفة أساسية على ثلاثة أمور:
1 - اقتصار التعاقد على حقول الشمال فقط وهي حقول الروضتين والصابرية والرتقة والعبدلي·
2 - حصر مدة التعاقد بعشرين سنة وإلغاء جواز التمديد لعشر سنين أخرى بقرار من المجلس الأعلى للبترول·
3 - زيادة نسبة العمالة الوطنية من 60% الى 70%·
إلا أن هذه التعديلات على أهميتها لا تعالج جوهر الخلاف حول اتفاق أو تعارض هذا القانون مع المادة 152 من الدستور التي تنص على أن أي التزام باستثمار مورد من موارد الثروة الطبيعية لا يكون إلا بقانون في حين أن الحكومة تطلب أن يتنازل المجلس عن صلاحياته الدستورية ويوافق على تفويضها للتعاقد دون عرض الاتفاقية على المجلس لكي تصدر بقانون وليس وفقا أو بناء على قانون·
هذا بالإضافة الى مدى ملاءمة أو عدم ملاءمة الاتفاقية لاحتياجات الكويت وظروفها ومتطلبات مصلحتها·
فمشروع القانون بالرغم من التعديلات التي اقترحتها اللجنة يبقى موضع شك لمخالفته للدستور·
وكانت اللجنة المالية في المجلس السابق قد أحالت مشروع القانون الأصلي الذي استبدلته الحكومة بمشروع قانون لا يختلف عن الأصلي كثيرا الى اللجنة التشريعية في عام 2000 لإبداء الرأي في مدى اتفاق أو تعارض القانون مع الدستور·
وقد جاء تقرير اللجنة باتا وحاسما، حيث انتهت اللجنة (التشريعية) الى ما يأتي: "إن الثروات الطبيعية التي عناها المشرع الدستوري بالمادة (152) من الدستور وفقا لما استقر عليه تفسير الأصل التاريخي للنص، والتي لا يجوز منح التزام باستثمارها إلا بقانون خاص يصدر في كل حالة على حدة هي الموارد التي تكون ثروة قومية مثل البترول، أما غير ذلك من موارد طبيعية فلا يشملها النص مثل الصلبوخ والرمل وصيد الأسماك·
أي أن أي اتفاق بين الحكومة وأي طرف للاستثمار في الثروة النفطية يجب أن يكون بقانون خاص، بمعنى أن الاتفاقية نفسها يجب أن تصدر بقانون·
ويبدو أن اللجنة قد قبلت التكييف الذي تقدمت به الحكومة بتسمية الاتفاقية عقد مقاولة، وهذا التكييف ما هو إلا استدارة على مضمون الاتفاقية من قبيل التلاعب بالألفاظ لا يخفي حقيقة الاتفاقية، فالعبرة بالمعاني وليس بالألفاظ فجوهر الاتفاقية هي اتفاقية استثمار في إنتاج البترول، والاستثمار في الثروة الطبيعية وهي البترول لايكون إلا بقانون·
فالاتفاقية تنص على أن حقوق الشركة تشمل استخراج النفط والغاز، وعلى تحملها التكاليف والنفقات اللازمة لذلك مما يتطلب أن توظف استثمارات مالية قدّرتها نشرة تسويق المشروع بنحو 3 مليارات دولار، وتتقاضى أرباحا قدرت بنحو 3 مليارات بمعدل عائد سنوي لا يقل عن %20 في المتوسط وإن كيّفت تسمية الأرباح برسوم·
كما تنص الاتفاقية على أنه لا يحق للطرف الأول (الحكومة) توجيه شركات الطرف الثاني أو في ممارسة الرقابة عليها، ولا من شأن أي توجيه أو موافقة أو عدم موافقة من قبل الطرف الأول بخصوص أي موضوع أن يؤثر على وضع الشركات·
الخلاصة أن الاتفاقية المقترحة رغم إلباسها بمسميات عقد خدمات تشغيلية وتسمية العوائد برسوم وليس أرباحا، إلا أنها في حقيقة الأمر اتفاقية للاستثمار في إنتاج النفط من الحقول الشمالية تحقق من ورائها الشركات أرباحا ضخمة تقدر نسبتها بنحو %20 كعائد على رأس المال·
والخلاف هو أن مثل هذه الاتفاقية يجب أن تصدر بقانون خاص وفقا لنص المادة (152) من الدستور، وليس وفقا لقانون يفوّض الحكومة بالتعاقد مع الشركات دون عرض الاتفاقية على المجلس لاتخاذ قرار بشأنها وإصدارها بقانون·
والحقيقة أن الاتفاقية لو كانت اتفاقية خدمات تشغيلية لما احتاج الأمر لإصدار قانون يفوض الحكومة بالتعاقد فالخدمات التشغيلية لا تحتاج لذلك فحاليا هنالك اتفاقيات بين شركة نفط الكويت والكثير من الشركات العالمية لتقديم مساعدات فنية قد تمتد الى خدمات تشغيلية مقابل أجور مالية ولم يحتج الأمر لتقديمها للمجلس أو إصدار قانون بشأنها·
وما دامت هنالك شكوك تحوم حول عدم دستورية القانون المقدم من الحكومة ومشروع الاتفاقية مع الشركات فما المصلحة من وراء الإصرار على عدم عرض الاتفاقية نفسها لإصدارها بقانون التزاما بنص المادة 152 من الدستور دون أن نعرض أنفسنا لمخالفة دستورية؟!
وإذا كانت الحكومة مقتنعة بجدوى الاتفاقية فما الذي تخشاه من عرضها على المجلس لإصدارها بقانون إذا ما وافق عليها؟!
أما عن جدوى الاتفاقية ومدى ملاءمتها لمصلحة الكويت فلذلك حديث آخر·