كتب محرر الشؤون السياسية:
لم يكن السيد جاسم الخرافي رئيس مجلس الأمة موفقا في تصعيد الهجوم على الولايات المتحدة، لأسباب ليست واضحة وغير مفهومة، خاصة وأنها تأتي في ظروف استعداد سمو رئيس مجلس الوزراء لزيارة واشنطن لمقابلة الرئيس بوش بهدف تعزيز العلاقات بين البلدين وتوثيقها على أرضية التفاهم المشترك حول المصالح المتبادلة كما جاء على لسان الشيخ محمد الصباح وزير الخارجية وهي الزيارة التي سعت إليها الحكومة الكويتية ولم تأت الموافقة عليها من الطرف الأمريكي إلا بعد إقرار الحقوق السياسية للمرأة الكويتية·
وفيما تجتهد الأجهزة الحكومية وتبذل مساعيها وجهودها تمهيدا لإنجاح الزيارة فإن حملة الرئيس الخرافي تسير في الاتجاه المعاكس لذلك·
بدأ الرئيس الخرافي هجومه على الأمريكان بانتقاد ما جاء في محاضرة السفير الأمريكي في لقاء وزارة الدفاع، وتعرض فيها لمحاولات إيران تطوير قدراتها النووية، ثم تصاعد حول ما جاء في الحوار عبر الأثير بين الصحافيين الكويتيين وممثل وزارة الخارجية الأمريكية حول تقريرها بشأن حقوق الإنسان الذي انتقدت فيه دول الخليج ومنها الكويت عن استعباد الإنسان وإساءة معاملة العمالة الوافدة وفي المرحلة الثالثة صعد الخرافي هجومه منتقداً ما جاء في لقاء ليز تشيني ابنة نائب الرئيس الأمريكي في لقاء الجمعية الثقافية النسائية حيث طرحت اقتراح استقدام لجنة دولية لمراقبة سير الانتخابات المقبلة عام 2007·
وفي هذه المرحلة دخل على الخط عناصر من التيار الديني، ولبست تصريحات الخرافي وهذه العناصر نبرة الانتصار للسيادة الوطنية وسمعة الكويت ورفض التدخل الخارجي·
وهجوم الرئيس الخرافي على الأمريكان شمل أيضا وزارة الدفاع ووزارة الخارجية ووزراءها طبعا، واستغرب في حملته الأخيرة من سكوت وزارة الخارجية ووزيرها وعدم تصديها لوضع حد لهذه الإساءات لدولة الكويت، وكأن المطلوب من وزير الخارجية أن يلتقط سكينا أو مقصا يقطع به لسان كوندليزا رايس وليز تشيني وممثل وزارة الخارجية لوضع حد للإساءة الى الكويت·
وإذا كان أحد لا يختلف مع الرئيس الخرافي في أن بيت أمريكا من زجاج ولا يجوز لها رمي الآخرين بالحجارة، فسجلها في حقوق الإنسان داخل وخارج أمريكا مليء بانتهاكات حقوق الإنسان وقهر الشعوب فاحتجازها المعتقلين في غوانتانامو ما يزيد على ثلاث سنوات من دون محاكمة ولا اتصال بمحامين ومواقفها تجاه قضايا البيئة والتسلح والتجارة الدولية وعلى الأخص مواقفها السلبية المتعالية والمنحازة تجاه الدول العربية والإسلامية والدول النامية هي مواقف لا تؤهلها لانتقاد الآخرين·
لكن الانتقادات المتبادلة بين الدول والحكومات والمسؤولين والمثقفين والصحافيين أمور أصبحت عادية في عالم مفتوح ومنفتح، ونحن نرى الانتقادات تتقاذف بين الحلفاء كأمريكا والدول الأوروبية، وقد وجهت أمريكا انتقادات لحلفائها في المنطقة مصر والسعودية ومع ذلك لم يعتبرها أحد إساءات ولم يطالب بوضع حد لها، وبالرغم من كل تلك الانتقادات، وما نال مصر والسعودية أشد وأكثر حدة مما نال الكويت، إلا أنها لم تمنع قيام كونداليزا رايس بزيارة البلدين وإلقاء المحاضرات وإعطاء التصريحات والالتقاء بقوى وعناصر من خارج الحكومة·
والكويت ليست دولة من ورق تهتز وترتجف لتصريح مسؤول أو غير مسؤول هنا أو هناك·
ثم لنكن صريحين مع أنفسنا أليس في تلك الانتقادات شيء من الحقيقة والواقع؟
هل يستطيع الرئيس الخرافي أو غيره أن ينكر أن ظروف معيشة واشتغال العمالة الوافدة في دول الخليج لا تلبي في الكثير من الأحوال الشروط الدنيا التي تفرضها قوانين العمل الدولية واتفاقيات منظمة العمل؟ هل فقدنا البصر والبصيرة لكي لا نلاحظ ما تعانيه العمالة الوافدة وخاصة العمالة المنزلية؟ من أوضاع لا إنسانية وهل نحن راضون بالأجور المنخفضة وساعات العمل الطويلة واحتجاز الجواز وعدم انصافهم بمكافأة نهاية الخدمة، وسوء أحوال المعيشة وتكدس العشرات في غرف صغيرة؟ والأنكى من كل ذلك هو المتاجرة بالإقامات وعدم دفع أجورهم ومستحقاتهم مما أدى الى إثارة المنازعات العمالية· صحيح أن هنالك ظروفا خارجة عن إرادتنا أدت الى ذلك، ظروف الفقر المدقع في البلاد المرسلة للعمالة والغنى الفائق في البلاد المستقبلة لها والفساد المستشري في الاثنين، ولكن ذلك لا يعني عدم وجود مشكلة كبيرة قابلة للانفجار في أي لحظة وإذا كنا نحن غير مدركين لأبعاد المشكلة أو متغاضين فالعالم من حولنا يدرك ويلاحظ ويراقب والاحتمال الأكبر أننا سنتعرض للمزيد من الانتقادات في المستقبل، ولا يجوز أن نطمئن للغفلة السائدة·
أما موضوع اللجنة الدولية لمراقبة سير الانتخابات فماذا يضيرنا في ذلك إذا كنا واثقين من أنفسنا ومن نزاهة إجراء الانتخابات؟
ولكن ألسنا نحن أول من شكك في سلامة العملية الانتخابية؟ كما جاء على لسان رئىس الوزراء في إنهاء الحوار حول تعديل الدوائر الانتخابية؟ ألسنا نعاني من عملية نقل الأصوات التي لم تسلم منها دائرة رئيس مجلس الأمة؟ ألسنا نشتكي من استخدام المال السياسي الذي يستخدم بطريقة مباشرة وغير مباشرة لشراء الأصوات وتخريب الذمم، ألسنا نتذمر من تدخل السلطة بتسيير الخدمات لمرشحين بعينهم؟
نزاهة الانتخابات ليست فقط قدرة الناخب على وضع ورق في الصندوق من دون أن يمسك بيده أحد، بل هي احترازات وضوابط وروادع إما أنها غير موجودة في نظامنا أو موجودة ولكن غير مطبقة؟!
نحن يجب أن نرفض ونقاوم الإملاءات والضغوط لاتخاذ مواقف أو قرارات ضد مصالحنا الوطنية، نرفض أن يطلب منا أحد الانصياع لأمر ما ضد إرادتنا·
أما الانتقاد فأهلا وسهلا به لا ضير فيه من أين جاء، وربما نبهنا لأمور غائبة عنا، وإن كان مجحفاً أو ظالما رددنا عليه بالحجة لا بطلب وضع حد له أو قطع لسان من يتفوه به كما يطالب بذلك رئيس مجلس الأمة والعناصر الانتهازية ممن يسمون أنفسهم بالتيار الديني·
وإذا كان موقف عناصر التطرف الديني مفهوما ومتوقعا فموقف رئيس مجلس الأمة واستمرائه حملة التصعيد غير مفهوم، ويفتح عليه باب التكهنات والاستنتاجات، فمن قائل إنه يستخدم الأمر في معركة ضد بعض الوزراء ممن لا يروقون له· ومن قائل إنها جرعة إضافية لمغازلة عناصر التيار الديني المتشددة التي تلقت لطمة قاسية بإقرار حقوق المرأة، وتعزيز لعلاقة التحالف معها، وضمان تأييد قواعدها في الانتخابات المقبلة وفي أروقة مجلس الأمة، وأن الخرافي لا ينسى أن أصوات نواب الحركة الدستورية (الإخوان المسلمين) كانت العامل المرجح لكفته في مواجهة الرئيس السعدون وإذا جاز أو صح مثل هذا التفسير فمن غير الجائز أن يتغاضى الرئيس الخرافي عن متطلبات مصلحة البلد واستحقاقات الإصلاح السياسي وعلى رأسها الدفاع عن حقوق الإنسان في الكويت، أي إنسان يعيش على أرضها والكفاح من أجل نزاهة حقيقية وليست مفترضة لعملية الانتخابات من أجل إرضاء قوى التيار الديني لمصالح انتخابية·