عندما التقى أدونيس في السجن

"السجن يشكل أعظم مناخ للعلاقات الصالحة، لذلك عندما هاجمه الكثيرون، كنت وفيا له، وحين غادرت دمشق إلى بيروت التقيت ثانية به، وهناك اكتشفت رحابة العالم، وقد فاجأني وأدهشني كبار شعراء تلك المرحلة "أنسي الحاج، يوسف الخال، أبو شقرا وغيرهم"، كما التقيت في منزله بالشاعرة سنية صالح التي أصبحت زوجتي لاحقا·
أتذكر تلك التفاصيل كما لو كانت بالأمس فقط، كنت نشرت أولى قصائدي في مجلة شعر حينها جاءت إلى أدونيس تقول له: ما هذا الشعر العظيم؟ من هو محمد الماغوط؟ وكنت جالسا في منزله·
عندما قرأت لهم في مجلة شعر بعضا من أوراقي احتاروا أمام هذه القصائد، ومدحوني كثيرا، حتى ارتبكت وأحسست أن المكان لا يتسع لي·
وعندما أصدرت ديواني الأول حزن في ضوء القمر، اتهمت وقتها بأنني هدام وسوداوي ومتشرد لكن هذا الديوان شكل مرحلة استثنائية في مسيرة الشعر العربي، كما كتب عنه جبرا إبراهيم جبرا وأنسي الحاج·
ومع ذلك رفض أدونيس إعطائي الجائزة سنة 1958 التي أعلنتها مجلة شعر لقصيدة النثر وقال: هذه ليست قصيدة نثر، لكنه بعد خمسين عاما على ذلك جاء يقول لي: كانت قصيدة رائعة"·
محمد الماغوط - "القدس العربي"
* * *
الغائب الفائز

طُرحت مجموعة من الأسماء لجائزة العمود الصحافي، يستحق كل منها أن يكون الفائز، وبالتالي تلخصت المشكلة في الاختيار الأسلم، وقد اعتمدنا التصويت فحسم الأمر خلال دقيقتين·
ثم أطلت علينا الأزمة "برؤوسها" المختلفة حين طرح الموضوع الأساس: شخصية العام لجائزة الصحافة العربية·
بداية ساد الصمت لفترة، أخذنا التهيب كما في كل عام، ثم تجرأ أحدنا فطرح اسم مثقف كبير أسقطه الاعتراض بأنه أديب متميز لكنه ليس صحافيا، طرحت أسماء أخرى، لكنها كانت لشخصيات عامة لها وزنها الفكري أكثر مما تنطبق عليها شروط الانتماء إلى الصحافة كمهنة·
اقترح أحدنا أن نلجأ إلى الجغرافيا، فنبدأ باستعراض الصحف والصحافيين في الوطن العربي من مغربه الأقصى إلى يمنه السعيد، كي نفاضل بين المميزين، مع تحاشي اختيار الراحلين، لاسيما أن الجائزة في السنة الأولى ذهبت عن جدارة لراحل كبير هو المرحوم سامي المنيس الذي شغل لفترة طويلة رئاسة تحرير مجلة "الطليعة" في الكويت، وكان صاحب رأي شجاع يقرّبه من خانة المناضلين القوميين من دون أن يُخرجه من الصحافة، وقد تصادف أن اجتماعنا للاختيار تم في فترة الحداد عليه··
طلال سلمان - "السفير"