رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 9 ذو الحجة 1424هـ - 31 يناير 2004
العدد 1613

وتــد

وحيد في بيت الذاكرة

نشمي مهنا

 

(1)

أحيانا أتغلّف بالنسيان والمحو المفاجئ·

أظل بانتظار خيوط ضوئية، تتنزل، تسعف، أو تضيء هذه العتمة من الذاكرة المهترئة·

هل قُطعت أسلاك الكهرباء عن مخزنها؟ هذه الداخل إليها مفقود، أسماء، وجوه، مشاهد، مواقف، معارف، أو معلومة سخيفة، رقم مهم، بيت شعر بسيط أو عظيم، حكمة ضائعة·

لا شيء يأتي عن سابق معرفة· في هذه اللحظة بالذات، كلي ينتظر كل شيء جديد، كأنما اشتغلت الحواس بكامل طاقتها لالتقاط القادم الجديد فقط (الذي أيضا لن يطيل الإقامة في بيت الذاكرة، ستأكله أيضا كما أكلت خراف المعارف السابقة)·

أما الاستدعاء فمختوم بشمع نسيان أحمر·

·· والذاكرة صغيرة هزيلة لا تقوى على التزاحم·

 

(2)

لماذا الوجوه المرعبة تلتصق دائما بجدار الذاكرة، وتستعصي على النسيان؟ كأنما خرجتَ من ذاتك وقذفت بها خارجك، دفاعا عنك، وحماية من الأذى، فانزرعتْ عيونك في “الآخر”·

بينما في موقف آخر مفرح، له الطاقة القصوى نفسها من الانفعال وتكسّر أجزائك أو تشظيها، تنمحي كل ملامح الوجوه من حولك، ولا تعد تتذكّر إلاّك، وتنطوي في ذاتك·

الخوف الذي شطرك تقذفه بوجوه الآخرين، لتستجمعه بعيدا عنك، أما فرحك فاحتفال يقيم مهرجاناته·· داخلك فقط·

 

(3)

يحدث أحيانا أن تقف حائرا أمام مشهد أو موقف أو حركة أو حديث أو لقاء عابر ما، وتقسم أنه تكرر وخبرته - بتفاصيله - من قبل· شريط سينمائي يعاد عرضه أمام عينيك· معاد تماما بحركته وخلفيته ودقته·

أي صدفة هذه تقنع حاضرك على إعادة جزء من ماضيك؟! أي حياة سابقة من آلاف سنوات سحيقة التقطتها في نسخة عمرك هذا المكرر؟! لماذا لا يكون وهما دفعك الى الشك في تزوير مشاهد حياتك، وغاب عنك أن لا شيء تحت سمائك يسمح له بالإعادة والتكرار، وإلا لانفجرت حقيقة تكوينه؟ ألم تقتنع بحكمة قبل الميلاد التي علمتك أن النهر متجدد حتى لو نزلت بمائه مرتين!

كل ما هنالك، أن موجة كهربائية اندفعت بذهنك تلك اللحظة، لم تكن لتحتملها، عطّلتك لأجزاء من الثانية، أو سبّقتك لأجزاء من الثانية، فتصورت الإعادة! شريط سينمائي قُطع فجأة، وأعيد إلصاقه، للحظة، تخيلتها زمنا، دهرا أو موقفا كان·

 

(4)

وعلى ذكر السينما أيضا، وفي عوالمها الباهرة، ووسط قاعة مظلمة تنشط المخيّلة، وتنقلك الى هناك، ناسيا زمنك ومكانك وحضورك·· ومقعدك، كم تمنيت أن تمتلك موهبة محمد رضا وقدرة إبراهيم العريس واستطاعات أخرى لتكتب قراءة شعرية سينمائية في مشهد بطلة تقف على حافة الكون، أو بطل يتسلل من بيت حبيبته الى شارع خال إلا من رذاذ مطر، أو أي لقطة أخرى قد تكون عنيفة أو حميمة أو حزينة أو متأملة·

كثيرا ما يرد الشعر في السينما·· فمن يلتقطه؟!

 

nashmi@taleea.com

طباعة  

قصيمي أردني سوري·· نصفه وهواه عراقي
عبدالرحمن منيف من بوابة السياسة الى الكتابة و”مدن الملح”·· والغياب

 
بعد 62 عاما من التواصل الكتابي الثري
“الطريق” تتوقف لقلة المورد والدعم·· فهل تعود بحلة جديدة؟!

 
المرصد الثقافي
 
كتابة