إعداد: مصطفى سيد حسن الزلزلة
بين وداع شهر رمضان واستقبال العيد
يتحرك العقلاء في أطوار حياتهم لتحقيق أهداف منشودة تضمن سعادة معاشهم ومعادهم، فلا يخطون خطوة إلا في نطاق سبيل يوصلهم إلى كمال محقق وفق ما يرون·
وهكذا في مثل هذه النفحة الزمانية المباركة بين فترتي العتق من النار حيث نهاية شهر الصيام واستلام الجوائز الإلهية المتمثلة بلقاء الله تعالى حيث عيد الفطر السعيد، فالجانب الأساس في هذه المسألة هو التوجه إلى هذا المقام الرفيع وسعة العطاء الإلهي الذي نقرأ شيئاً عنه في دعاء الافتتاح في ليالي شهر رمضان (ولا تزيده كثرة العطاء إلا جوداً وكرماً)، فلقد علمنا رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - أن ندعو في أول يوم الذي يعتبر مفتاح الشهر وقاعدته - من شهر رمضان المبارك (اللهم اجعل صيامي فيه صيام الصائمين، وقيامي فيه قيام القائمين، ونبهني فيه عن نومة الغافلين)، هذا كلام من لا ينطق عن الهوى مبيناً صياماً وقياماً تعلوهما روحية خاصة وتفاعل مع من توجه إليه هاتان العبادتان، أي لا يكون النصيب من الصيام الجوع والعطش ومن القيام السهر والعنا بل إيجاد حبل وثيق ورابطة شديدة بين العابد والمعبود، كي يعيش في وجدانه هذا الشهر ويحزن على فراقه ويودعه حسرة وأسفاً كما كان يفعل ذلك الإمام السجاد علي بن الحسين - عليهما السلام - في وداع شهر رمضان حيث يقول في بضعه: (السلام عليك يا شهر الله الأكبر ويا عيد أوليائه·· السلام عليك ما أكثر عتقاء الله فيك·· السلام عليك ما كان أمحاك للذنوب وأسترك لأنواع العيوب·· السلام عليك ما كان أطولك على المجرمين وأهيبك في صدور المؤمنين·· السلام عليك من مطلوب قبل وقته ومحزون عليه قبل فوته··)·
فعلينا أن ننتهز الفرصة فيما بقي من قلة هذا الشهر فإن الفرصة سريعة الفوت وبطيئة العود ولنتدارك ما فاتنا لنجني ثمار فوائد هذه البركات الروحية التي ترفع شأن المتزود بها، ولا يخفى على ذي لب أن اللطافة للأرواح والكثافة للأشباح (الأجساد) وهذا الشهر شهر اكتساب الطاقة الروحية ليصاغ الإنسان من معدن اللطف والكمال، ويكون ذلك بقراءة القرآن والدعاء والصدقة وإفطار الصائم والعطف على خلق الله تعالى وحقوقهم عليه من طاعة والدين وصلة أرحام وإنفاق على المحتاجين· فيجني بذلك ثمرة الصيام وهي التقوى الرافعة صاحبها إلى مقعد صدق عند مليك مقتدر، وبالتالي لا يكون عيده فقط أول شوال وعاشر ذي الحجة، بل عيده هو عدم المعصية وحب الطاعة ولقاء الله المتمثل بقربه من خلال هذا الشهر المبارك، ونحن إذ ندعو كل يوم في شهر رمضان: (إلهي ربح الصائمون وفاز القائمون) أي الصائمون صوماً حقيقياً يعرفون حيثيات الصيام ومراحله وكذا ما يتعلق بالقيام، فلنلتمس هذا الربح والفوز في ميزان القرآن والعترة الطاهرة، فقد ذكر الشريف الرضي - قدس سره - في نهج البلاغة حكمة (428)· وقال (علي) - \ - في بعض الأعياد: (إنما هو عيد لمن قبل الله صيامه وشكر قيامه، وكل يوم لا يُعصى الله فيه فهو عيد)· لاحظ التركيز على الصيام والقيام أي على الصبر والصلاة خير وسيلتين يستعين بهما الإنسان كما قال تعالى: (واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين) البقرة 45، ثم إن الحكمة العلوية السابقة تسلط الضوء على فترة معينة مقيدة وأخرى فترة مطلقة، أما المقيدة فعيد شهر رمضان وإليه الإشارة بقوله (إنما هو عيد لمن قبل الله صيامه وشكر قيامه)، وأما المطلقة فقوله (وكل يوم لايعصى الله فيه فهو عيد) فيستطيع الإنسان أن يجعل كل أيامه عيداً بهذا المضمون، ولله در القائل:
للناس عيدان معدودان في سنة وللمـريـد جميــع العصـــر أعيــــــاد
فالذكـــر عادتـــه والحمــد راحتـــــه والقلـــب في ملكـــوت الـــــــــرب أواد
هذا وعهد العيد قريب منا كما قال بعض العرب: (وقع رمضان في الواوات) ويقصد بهذه الواوات واو العاطفة في سلسلة العشرين أي واحد وعشرون، واثنان وعشرون·· لينبه على قرب انتهاء الشهر، والناس في شأن العيد أصناف، فمنهم من يستعد له بشراء الملابس الفاخرة والهدايا، ومنهم ينتظره ليزور دواوين الأصدقاء وبيوت الأقارب وثالث يعمل وليمة ويوزع (عيادي)، ورابع يرجو لقاء الله تعالى ليظهر بجهتي الجمال والجلال الإلهيين وهذا الصنف هو ما أشار إليه ابن الفارض المصري:
وعندي عيدي كل يوم أرى به جمـــال محياهـــا بعـــين قريــرة
ويعجبني أن أختم في هذا المقال بكلام للإمام الحسن الزكي ابن أمير المؤمنين - عليهما السلام - كما ذكره الشيخ الصدوق في “من لا يحضره الفقيه” حيث قال: نظر الحسن - عليه السلام - إلى الناس يوم العيد يضحكون ويلعبون فقال لأصحابه والتفت إليهم: (إن الله عز وجل خلق شهر رمضان مضمارا لخلقه يستبقون فيه بطاعته ورضوانه، فسبق فيه قوم ففازوا، وتخلف آخرون فخابوا، فالعجب كل العجب من الضاحك اللاعب في اليوم الذي يثاب فيه المحسنون، ويخسر فيه المقصرون، وأيم الله لو كشف الغطاء لشغل محسن بإحسانه ومسيء بإساءته)·
نسأل الله تعالى أن يبلغنا شهر الصيام في كل عام ويجعل عيدنا البعد عن المعاصي والتوفيق للطاعات ومعرفة تكليفنا ويرحم شهداءنا الأبرار ويفك قيد أسرانا ويرجعهم إلى ذويهم وبلدهم سالمين غانمين، وينصر الإسلام والمسلمين ويهلك أعداءهم أينما كانوا لاسيما الغزاة الصهاينة ومن يساندهم - زلزل الله أقدامهم ونكس أعلامهم - وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين·
من مسائل زكاة الفطرة
1 - يشترط في وجوب زكاة الفطر التكليف والحرية والغنى (من يملك قوت سنته) نقداً أوجنساً فلا تجب على الصبي والمملوك والمجمون والفقير الذي لا يملك قوت سنته·
2 - يجب على من جمع الشرائط كما في المسألة (1) أن يخرجها عن نفسه وعن كل من يعول به·
3 - المقدار الواجب صاع (الصاع = ثلاثة كيلوات تقريباً) من القوت كالحنطة والشعير والتمر والزبيب والأرز ونحوها، والأفضل إخراج التمر ثم الزبيب، ويجزئ دفع القيمة، والمدار قيمة وقت الأداء لا الوجوب، وبلد الإخراج لا بلد المكلف·
4 - وقت إخراج زكاة الفطرة طلوع الفجر من يوم العيد والأحوط إخراجها أو عزلها قبل صلاة العيد، وإن لم يصل صلاة العيد امتد الوقت إلى الزوال·
5 - المستحقون لزكاة الفطرة هم المستحقون للزكاة وهم ثمانية: الفقير والمسكين والعاملون عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمون وفي سبيل الله وابن السبيل· كما قال تبارك وتعالى: ( إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها المؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم)· التوبة 60·
6 - يستحب تقديم الأرحام ثم الجيران وينبغي الترجيح بالعلم والدين والفضل·
صلاة العيد: وينبغي الكلام في كيفيتها ووقتها·
أما كيفيتها: فهي ركعتان يقرأ في كل منهما الحمد وسورة، والأفضل أن يقرأ في الأولى (والشمس وضحاها··) (سورة الشمس) وفي الثانية (هل أتاك حديث الغاشية··) (سورة الغاشية) أو في الأولى (سورة الأعلى) وفي الثانية (سورة الشمس) ثم يكبر في الأولى خمس تكبيرات ويقنت عقيب كل تكبيرة، وفي الثانية يكبر بعد القراءة أربعاً، ويقنت عقيب كل تكبيرة ويجزئ في القنوت ما يجزئ في سائر الصلوات، والأفضل أن يدعو بالمأثور فيقول في كل واحد منها: (اللهم أهل الكبرياء والعظمة وأهل الجود والجبروت وأهل العفو والرحمة وأهل التقوى والمغفرة، أسألك بحق هذا اليوم الذي جعلته للمسلمين عيداً ولمحمد - صلى الله عليه وآله وسلم - ذخراً ومزيداً أن تصلي على محمد وآل محمد، كأفضل ما صليت على عبد من عبادك وصل على ملائكتك ورسلك واغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، اللهم إني أسألك خير ما سألك به عبادك الصالحون وأعوذ بك من شر ما استعاذ بك منه عبادك المخلصون)· ويأتي الإمام بخطبتين بعد الصلاة يفصل بينهما بجلسة خفيفة ولا يجب الحضور عندهما ولا الإصغاء ويجوز تركهما في زمان الغيبة وإن كانت الصلاة جماعة·
وأما وقتها: فمن طلوع الشمس إلى الزوال· ويستحب الغسل قبلها، والجهر فيها بالقراءة إماماً كان أو منفرداً ورفع اليدين حال التكبيرات والسجود على الأرض والإصحار إلا في مكة المكرمة فإن الإتيان بها في المسجد الحرام أفضل وأن يخرج إليها راجلاً حافياً لابساً عمامة بيضاء مشمراً ثوبه إلى ساقه وأن يأكل قبل خروجه إلى الصلاة في الفطر، وبعد عودته في الأضحى مما يضحي به إن كان·