كتب محرر الشؤون السياسية:
وهكذا نأتي الى ختام الشهر الفضيل، بعد أن مرت بلادنا في صفاء روحي مع الخالق وصام الناس وامتلأت المساجد لصلاة التراويح وقيام الليل في العشر الأواخر من رمضان حيث ليلة القدر ونزول الوحي العظيم على خير المرسلين·
وكما عودنا سمو الأمير وجه كلمته الى المواطنين في العشر الأواخر من رمضان وجاءت مفعمة بالروحانية التي تليق بالمناسبة ولكنها احتوت على فقرات قصيرة وبليغة تشخص توجه العالم على أبواب الألفية الثالثة، ومتطلبات النهوض بالوطن لمواكبة العصر·
في الأيام الأخيرة لرمضان يتثاقل وقع الزمن ويبدأ الناس في العد التنازلي في اشتياق للعيد بعد أن أجهدهم السهر والتغيير الكبير في برامجهم المعيشية وفي أنماط حياتهم· ويلجأ الناس إلى تقويم "العجيري" لتحديد موعد يوم العيد ولسان حالهم يقول: "إذا قال العجيري فصدقوه فإن الحق ما قال العجيري"·
ورغم هذا العد التنازلي إلا أن نشاط زيارة الدواوين مازال مستمرا خصوصا من أولئك الذين يتحملون برامج مثقلة بحكم مسؤولياتهم الكبيرة مثل الشيخ صباح الأحمد النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء الذي ظل ناشطا، متعه الله بالصحة، في زيارة الدواوين في جميع المناطق رغم ما يتحمله من جدول عمل كبير، ومن أبرز زيارات الشيخ صباح هذا الأسبوع زيارة مقر النائب عبدالله النيباري في ضاحية عبدالله السالم، كما أنه أقام مأدبة إفطار لرؤساء تحرير الصحف الكويتية·
أما الشيخ سالم الصباح نائب رئيس الوزراء ووزير الدفاع فيقوم هو أيضا بزيارة ذات طابع خاص إذ يزور دور الصحف المحلية، حيث زار الصحف اليومية ويزور اليوم الأربعاء جريدة "الطليعة"·
وتناقلت الدواوين مجموعة من الأخبار المحلية التي يؤكد بعضها أن هناك تعديلات مهمة ستجرى حكوميا بعد العيد وعودة الشيخ سعد على مستويين:
المستوى الأول هو الطبيعة التي ستمارَس بها مقاليد السلطة، إذ يقال والعهدة على الراوي إنه بعد عودة الشيخ سعد سيتم تفويض الشيخ صباح بسلطات واسعة تتحدد بها المسؤولية بشكل أوضح وأكبر وتخفف عن كاهل الشيخ سعد الذي سيحظى باهتمام وتكاتف الجميع لتمكينه من أكبر قدر من الراحة ليقوم معافى بإذن الله· أما المستوى الثاني فهو التأكيد على أن هناك تعديلا وزاريا مقبلا· ورغم نفي الشيخ صباح لذلك إلا أن المراقبين يقولون إن الشيخ صباح نفى وجود أي تعديل "إلا بوجود الشيخ سعد"، وعندما يعود أبو فهد بالسلامة فإن هذا الشرط سينتفي ويصبح الطريق ممهدا أمام التعديل·
الدواوين تتناقل الأحاديث والنقاشات الساخنة التي قيل إنها جرت وراء الكواليس، والتي ربما ترسم صورة ما هو قادم، ربما ليس بالنسبة للتعديل الجزئي المبكر ولكن بالنسبة للإطار العام لفلسفة التشكيلات الوزارية· يذكرون أن أحد المسؤولين تساءل في أحد تلك النقاشات عن الفائدة من تمثيل التيار الديني وتمثيل القبائل في الوزارة بالطريقة التي تدهورت إلى اتباعها الكويت لتصبح كأن بها اعتبارات عرقية وطائفية مكرسة دستوريا مثل لبنان·
ويقال إن المسؤول أشار الى موقف نواب القبائل والأحزاب الدينية من المبادرة الأميرية بتمكين المرأة من حقوقها السياسية قائلا ماذا يمكن أن يكون أسوأ من هذا الموقف؟ وما هو الموقف الذي يمكن أن يُظهر معارضته ومناوأته للحكومة أكثر مما أظهره هؤلاء وهم داخل الحكومة؟! يقولون إن التعديل الوزاري المقبل سيشمل عدة وزراء أولهم النصافي وزير الأشغال، وتحوم الأحاديث أيضا حول وزير الإعلام· ويذكرون أن أحد المرشحين لدخول الوزارة هو النائب طلال العيار الذي يقال إنه يهيئ نفسه ليصبح نائبا آخر لرئيس الوزراء ويقوم هو من جانبه أيضا باستمزاج بعض النواب للدخول في الوزارة·
لكن أكثر ما دارت حوله أحاديث الدواوين في الأسبوع الأخير من رمضان هو حديث الشيخ سالم لجريدة "الرأي العام"· فلقد شد انتباههم طرح موضوع الخلافة وتوارث الإمارة للمناقشة العلنية من قبل أحد أفراد الأسرة ولفته النظر الى "وصية مبارك" التي قال فيها "أكبركم أرشدكم والأمر شورى فيما بينكم" وثار جدل في الدواوين حول معناها، هل يعني أن من هو أكبر سنا هو المستحق لولاية الحكم لأنه هو الأرشد بحكم سنه، أم أنها تعني أن الأرشد بين أفراد الأسرة هو بمثابة الأكبر الذي يتقدم على من يكبره سنا ولذلك هو الأولى بتقلد المنصب؟· لكن هذه المناقشة في التفسير لم تدم طويلا حيث صدر تصريح الشيخ جابر المبارك في جريدة "القبس" وهو من جيل الشيخ سالم من أبناء الأسرة والذي نفى فيه أنه سمع من قبل بـ "وصية مبارك" تلك، مما نقل نقاش الدواوين الى مستوى آخر مختلف·
* * *
الحدث الكبير الذي شد انتباه واهتمام الناس هو احتفالات العالم برأس السنة الميلادية في نهاية عام 1999 والإيذان ببدء عام 2000· هذا الحدث اعتبره العالم يستحق احتفالا خاصا لأنه نهاية القرن العشرين ونهاية الألفية الثانية لميلاد المسيح وبداية الألفية الثالثة في التاريخ الميلادي من عمر البشرية، بينما يصر الفلكيون على أن نهاية القرن هي نهاية عام 2000 وبداية الألفية الثالثة هي الأول من يناير لعام 2001، إلا أن أحدا لم يتوقف ليناقش فالعالم كل العالم يريد أن يحتفل ويتفاءل بميلاد قرن جديد يأمل أن يكون فيه خلاص الإنسانية من الحروب والفقر والجهل والمرض·· ربما، أو محاولة ذلك·
العالم كله يحتفل، ولأول مرة في التاريخ يشاهد العالم كله الاحتفال الجماعي للبشرية التي وللمرة الأولى تتوحد في عمل واحد وأمل واحد، وتلتئم ككوكب أهله يطلون على بعضهم بعضاً بواسطة تلفازاتهم وأقمارهم الصناعية ويوحدهم الانتماء الى الأرض الكوكب من بين سائر الكواكب الأخرى·
العالم كله يحتفل·· إلا نحن في الكويت، في الجزيرة والخليج وإيران حيث إننا فوق الكآبة التي لفتنا من بين شعوب الأرض أخذ علماؤنا ومفتونا وملاليونا يشتمون البشرية لأنها تحتفل حيث إن الاحتفال بعيد ميلاد السيد المسيح "كفر" حسب رأيهم، وحيث إن لا حق لأحد أن يفرح بدخول البشرية ألفية جديدة أو قرنا جديدا لأن ذلك بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار· ولذلك قالت شبكة ABC الأمريكية وهي ترصد احتفالات العالم وتنتقل خلال 26 منطقة وقتية على مدار الأرض أن بقعة واحدة بين بقع الأرض بقيت يكسوها الوجوم وهي دول الخليج وإيران·
لكن مفاجأة نهاية القرن كانت هي تنحي الرئيس الروسي يلتسين وتسليمه مقاليد الحكم وحقيبة الأزرار النووية الى رئيس وزرائه "بوتين"، في عملية شديدة البراعة السياسية، حيث وجد يلتسين بعد تغييرات كاريكاتورية لرؤساء الوزراء البديل الذي يثق به ويكون أهلا للمسؤولية في نظره ويكسب احترام الشعب الروسي، ثم تنازل له، وهو أي البديل، في أوج انتصاره وشعبيته ليسحق منافسيه في انتخابات الرئاسة الذين أخذهم التنازل على حين غرة وأسقط في أيديهم، وحتى يضمن يلتسين أيضا الحماية له ولأسرته من الملاحقة بتهم الفساد "إن وجد" والحصانة من القضاء·
المواطنون قارنوا بين ما يجري في الدول الديمقراطية حتى لو كانت على شاكلة روسيا من حتمية تداول السلطة مما جعل يلتسين يعمل على إيجاد البديل الذي يريحه ليتنازل له عن منصبه، وبين الحكام العرب من المحيط الى الخليج الذين يتوارثون المناصب سواء دستوريا أو اغتصابا وتمسكهم المستميت بالكراسي حتى وهم في أشد حالاتهم حاجة للراحة بسبب ظروفهم الصحية القاهرة·
أما المفاجأة الثانية في نهاية الألفية الثانية وبداية الثالثة فهي الانفجار المباغت للعنف الإرهابي في لبنان الذي يمارسه عتاة المجرمين من شظايا وشراذم على أحزاب السلفيين والإخوان المسلمين والذين ما حلوا ببلد إلا ودمروه·
فعلى عكس الدور البطولي المشرف الذي قام به حزب الله اللبناني في صدارة المقاومة اللبنانية الباسلة والتي أجبرت بدماء شهدائها الاحتلال الصهيوني الغاشم لأراضي لبنان على الرحيل، يبدأ هؤلاء المجرمون عملياتهم الجنونية في اللحظة التي أعلنت فيها إسرائيل قرار الانسحاب من جنوب لبنان خلال ستة شهور وكأن هؤلاء لا يريدون للبنان الجريح أن يستقر ويتشافى من الحرب الأهلية والعدوان، بل كأنهم وكلاء للصهيونية لإشغال لبنان عن تأمين استقراره وتفتح جبهة أخرى عليه وإيجاد حاجة دائمة لديه إلى التدخلات الخارجية·
وهكذا وبعد أن استقبل العالم الألفية الثالثة بالتفاؤل ينفتح جرح جديد في خاصرة الأمة العربية بواسطة مجرمي التعصب والتحجر الديني وأحزاب التأسلم السياسي الذين دمروا أفغانستان حتى لم يبقوا فيها حجرا على حجر، وجروا الدمار على جمهورية الشيشان حتى لا يبقى فيها حجر على حجر· ويتطلع الناس قبل العيد المبارك الى الحكومة علها تتخذ من الإجراءات ما يضمن ألا تذهب أموال أهل الكويت وصدقاتهم وزكواتهم التي سارعوا الى تقديمها في الشهر الفضيل الى جماعات التدمير في لبنان مثل جماعة شعبان وحليف صدام أو الى جماعات التكفير والهجرة السلفية كي لا نساهم في تدمير بلد عزيز علينا هو لبنان·· حيث إن العدوى مرشحة للانتقال إلينا إن حدث ذلك·