كتب محرر الشؤون العربية:
لماذا وقعت أحداث الضنية في شمال لبنان في هذا الوقت؟ وما هي خلفيات التمرد المسلح الواسع النطاق والأحداث الأخرى التي صاحبته مثل الهجوم على السفارة الروسية في بيروت والاستنفار المسلح لجماعة "عصبة الأنصار" في مخيم عين الحلوة؟
هذه الأحداث التي كانت مفاجئة من حيث اتساع نطاقها، سبقت بثلاثة أيام استئناف المحادثات السورية الاسرائيلية في شيبردزتاون "ولاية وست فرجينيا" وإن كان ذلك لا يعني بالضرورة أنها متصلة اتصالا وثيقاً باستئناف المفاوضات في هذه اللحظة، فهو يعني في الوقت نفسه أن عملية السلام، التي يبدو أنها تتجه نحو الحسم، أخذت ترخي بثقلها على التيارات الإسلامية في عدد من الدول العربية، حتى تحدث تمايزا بين هذه التيارات ، بين راض بحكم الأمر الواقع (ومنه انتهاء النزاع العربي - الاسرائيلي) ورافض بالجملة لاستحقاقات السلام ولشرعية أنظمة الحكم العربية في آن·
ففي لبنان استنكرت حركة التوحيد الإسلامي التي نشأت في طرابلس في بداية الثمانينات ثم سيطرت عسكريا على المدينة بين عامي 1983 و1985، ومعها الجماعة الإسلامية التمرد المسلح الأخير وتنصلتا من المسؤولية عنه، لكن هاتين الحركتين تمثلان في الواقع أرضا خصبة لظهور عناصر متطرفة وذلك لأسباب أيديولوجية واجتماعية أيضا·
فالصدام بين حركة التوحيد والسلطات اللبنانية يعود إلى نحو ثلاث سنوات حين عمدت السلطات إلى اقفال الإذاعات غير الشرعية، وعندئذ سقط قتيلان من حركة التوحيد في منطقة أبي سمراء التابعة لطرابلس حين عمدت قوى الأمن اللبنانية إلى إقفال إذاعة التوحيد بالقوة، أما الجماعة الإسلامية فتختلف عن التوحيد لجهة قبولها المشاركة في صيغة الحكم اللبنانية فقد خاضت جميع الانتخابات النيابية منذ نهاية الحرب الأهلية، وتمثلت عن طرابلس والضنية بنائبين هما فتحي يكن وأسعد هرموش، والآن يمثلها في البرلمان النائب خالد ضاهر عن مقعد سني في عكار، وقد تراجعت "الجماعة الإسلامية" عن شعار تطبيق الشريعة الإسلامية، لكن جمهور المناصرين والمؤيدين لكل من حركة التوحيد و"الجماعة" يصعب التفريق بينهما أحيانا·
في أي حال شكلت منطقتا طرابلس والضنية أرضا خصبة لنشوء التيارات الأصولية في الحرب الأهلية وفي طرابلس تحديدا، تتمركز هذه العناصر وهي من أصول اجتماعية متردية في غالبيتها في أحياء التبانة والسويقة والأسواق الداخلية ومنطقة الميناء المفصولة عن طرابلس بلدياً في حين يعتبر حضور الجماعة الإسلامية في منطقة أبي سمراء التي تعيش وضعا اقتصاديا جيدا، أفضل من حضور التوحيد·
كانت أحداث الضنية أقرب من حيث وقائعها إلى الأحداث الدائرة في الجزائر، ولكن ذلك لا يعني أن الحرب الأهلية الدائرة في الجزائر قد تتكرر في لبنان وذلك عائد إلى أسباب كثيرة، ففي لبنان ليس هناك حركة إسلام انتصرت في الانتخابات ثم حرمت من انتصارها والتيارات الإسلامية على اختلافها ممثلة في البرلمان، وهي الجماعة الإسلامية وحزب الله، ولبنان لم يخضع، باستثناء ما حدث خلال الحرب الأهلية، لأي حكم عسكري، ولم تتأثر فئة واحدة باقتصاده، وليس فيه اندماج لمختلف أنواع السلطات كما في الجزائر، أما المسألة الطائفية التي تفاقمت كثيرا أبان الحرب الأهلية فقد تراجعت كثيرا قبيل توقيع اتفاق الطائف وذلك عائد إلى أن الصراعات اندلعت في داخل المذاهب نفسها على نحو ما حدث بين ميليشيا القوات اللبنانية بزعامة سمير جعجع والجيش اللبناني بقيادة ميشال عون "وكلاهما ماروني" وما حدث من صراعات دموية بين حركة "أمل" وحزب الله قبل نهاية الحرب·
في أي حال، يعيد واقع الحركات الإسلامية إلى الأذهان في هذه الفترة، ما أصاب الحركات اليسارية والماركسية والقومية العربية تحديدا في البلدان العربية إبان النزاع العربي الإسرائيلي ثم بعد بدء عملية السلام في عام 1991، مرورا بالغزو العراقي لدولة الكويت، فالحركات اليسارية تشققت كثيرا، ليقبل بعضها العمل السياسي ضمن إطار ما تسمح به الأنظمة الحاكمة، وليتطرف بعضها ليتخذ صورة العمل المسلح بل وصولا إلى خطف الطائرات، لا سيما مع اعتماد الاتحاد السوفييتي السابق سياسة التعايش السلمي مع الغرب والترويج لمؤتمر جنيف في السبعينات، وبعض هذه التيارات يعارض الآن عملية السلام إعلاميا، لكنه تراجع عن العمل المسلح لتضاؤل قاعدته الشعبية ولفقدانه الموارد المالية والبشرية، وهكذا أنبرت التيارات الإسلامية لتحل مكان التيارات اليسارية والقومية في المحافظة على مقولة إن الصراع مع إسرائيل صراع وجود لا صراع حدود·
في لبنان، كان اندلاع الأحداث مفاجئا وأوسع مما توقع أي مراقب، لكن ذلك يعود في الواقع إلى أسباب كثيرة من أهمها الازدواجية الأمنية القائمة في لبنان بين الأجهزة الأمنية السورية واللبنانية، وإذا كانت سورية اتبعت الحسم على أراضيها لا سيما مع تيار الإخوان المسلمين في حلب وحماة ودمشق في بداية الثمانينات فإن سياستها مع التيارات الإسلامية في لبنان راوحت ما بين الحسم العسكري كما حصل مع حركة التوحيد في أواخر صيف عام 1985، ومع حزب الله في حادث ثكنة فتح الله في بيروت عام 1987 حين قتل 14 عنصرا من الحزب برصاص القوات السورية، وما بين المهادنة التي ترمي إلى المحافظة على نوع من التوازن السياسي على الساحة اللبنانية ولذلك، فإن قدرة الجيش اللبناني على حسم قضية التمرد المسلح في الضنية ومع انتشاره إلى مناطق أخرى تتوقف على وجود قرار سوري حازم في هذا الشأن، علما أن الجيش اللبناني، برغم تفككه الظاهري في الحرب الأهلية، بقي واحد من بضع مؤسسات قليلة في لبنان، مثل النقابات والبنك المركزي، التي حافظت على وحدة البلد·
بعض المراقبين لا يكتفي بالربط ما بين الاستحقاقات الوشيكة لعملية السلام، ورفضها من جانب التيارات المتطرفة بل يلمح إلى غرابة اتساع التمرد· فهذا الأخير يفترض حدوث تحضيرات ضخمة سابقة ما كان ينبغي أن تكون في غفلة من عيون الأجهزة اللبنانية والسورية لا سيما عقب موجة تفجير الكنائس في طرابلس قبل نحو شهرين، وهذا البعض يتوقع استعانة لبنانية بالقوات السورية في خطوة قد تؤكد في عيون الغرب لا سيما الولايات المتحدة، ضرورة بقاء سورية في لبنان بعد انتهاء عملية السلام كطرف ضامن للأمن·
فاحتمال انشقاق حزب الله في استمرار الانشقاق الإيراني الكبير حيال الموقف من عملية السلام أو منه الموقف المتشدد لمرشد الثورة من إسرائيل يوم الجمعة الماضي، قد يجعل بقاء سورية في لبنان ولا سيما في الجنوب أمرا لا بأس به بالنسبة إلى إسرائيل·
في أي حال، ترضى استحقاقات عملية السلام تغلبها على التيارات الإسلامية وعلى أنظمة الحكم العربية في آن، لا سيما في منطقة الخليج فإسرائيل قد تتحول عما قريب من دولة معادية إلى دولة جارة - إن لم تكن صديقة - على الأقل· وعندئذٍ تتغير السياسات الرسمية ومعها سياسات بل أساليب المعارضة·