رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت30 رجب 1424هـ - 27 سبتمبر 2003
العدد 1596

ظاهرة الخراب في بلاد العراق: مشاهدات ابن بطوطة
د· نواف عبدالعزيز الجحمة

خرج ابن بطوطة، محمد بن عبدالله اللواتي من مدينة طنجة قاصدا الحج وزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وكان عمره لا يتجاوز واحدا وعشرين سنة·

وكانت انطلاقة رحلته سنة 725هـ/1325م، فمر على أهم الحواضر العلمية والمدن والقرى في المشرق العربي، فسجل ما عاينه في تلك الفترة، وقد كانت ملاحظاته في غاية الدقة والأهمية، حتى أنها طبعت بطابعه الذاتي، أي أن شخصيته المغربية الإسلامية تركت بصماتها على ما وصفه من مشاهدات وما دونه من أحداث·

لكن ما يهمنا في هذا العرض - ما عاينه الرحالة المغربي من مشاهدات سياسية واجتماعية في بلاد العراق وقتئذ، خصوصا وأنه قد عاصر نهاية دولة الأيلخان المغول وبداية دولة الجلائريين في القرن الثامن الهجري/14م، وبذا فهو يلامس جل المظاهر الحضارية وانعكاساتها على الإنسان العراقي والبيئة العراقية في نهاية مرحلة وبداية مرحلة أخرى·

يبدو أن الأحداث التاريخية الوسيطة تتشابه وتتماثل بمقدماتها ووقائعها بل وتتكرر في مشاهدها في الوقت الذي لا يجمعها أي رابط سببي أو زماني أو موضوعي· ولتوضيح أكثر سنسرد بعض الصور الجزئية واللقطات التاريخية في هذه الفترة قيد العرض، ويمكن تلخيصها على النحو التالي:

 

صدى الغزو المغولي

إذا ما ذكرنا السقوط المفجع لمدينة بغداد من قبل المغول سنة 656هـ/1258م فإن التخريب المتعمد للمدينة التي كانت تضم أثمن الشواهد الحضارية، قد شكل الضربة القاصمة لتراث العراق ككل، لكن إذا تجاوزنا روايات بعض المؤرخين المشارقة مثل ابن الأثير، وابن كثير وغيرهم، نخرج بانطباع هو أن بغداد خربت برمتها وأصبحت قاعا صفصفا، وإن كل ما تحتضنه بين جدرانها من آثار الحضارة والثقافة تم إتلافه·

ولا ريب أن تلك الروايات لا تخلو من المبالغة الأدبية دفع إليها هول الكارثة وصداها في مخيلة المؤرخين الذين لم يستسيغوا انقراض دولة كبيرة مثل الدولة العباسية، وهنا بالغوا في تصوير الحادثة وعمموها حيث كان يجب التدقيق والتخصيص، بقول الدكتور حسن إبراهيم حسن "ولم يحدثنا التاريخ أن حضارة زاهرة كالحضارة الإسلامية في بغداد قد اختفت بمثل هذه السرعة"·

على أي حال، كان من الأوجب على الباحثين أن يعيدوا النظر في صحة تلك الروايات، وذلك عن طريق إعادة قراءة المدونات التاريخية ولا ضير في الاعتماد على مذكرات الرحالة الذين زاروا بغداد بعد حقبة من الزمن على دخول المغول إليها، وأول من يسعفنا في هذا الاتجاه هو الرحالة ابن بطوطة الذي عاين بغداد بعد مرور نصف قرن على اكتساح المغول لإيران والعراق·

لا ينكر ابن بطوطة وجود الخراب العمراني ببغداد، إلا أنه يحدد ذلك فقط في الجانب الغربي من المدينة، معترفا ببقاء بعض الأرباظ "الأحياء" سليمة: "الجانب الغربي هو الذي عمر أولا، وهو الآن خراب أكثره، ورغم ذلك فقد بقي منه ثلاثة عشرة محلة، كل محلة كأنها مدينة بها حمامات، ومن هذه المحلات محلة البصرة، وبها جامع الخليفة أبي جعفر المنصور"·

يبدو أنه لم يصمد إلا الجامع الكبير المنسوب للمنصور الذي أسسه في النصف الأول من القرن الثاني للهجرة "8م" - أي أنه مضى على وجوده حين زيارة ابن بطوطة ستة قرون، لكن عندما يتحدث الرحالة عن الجانب الشرقي من المدينة نشعر أن بغداد مازالت تحتفظ بالكثير من العمران على حد قوله، يقول: "وهذه الجهة الشرقية من بغداد حافلة بالأسواق عظيمة الترتيب،··· وفي وسط هذا السوق المدرسة النظامية العجيبة، وفي آخره المدرسة المستنصرية"·

مما لا شك فيه أن هذه الملاحظات تمثل وثيقة بالمفهوم العلمي الدقيق للوثيقة، لأنها اعتمدت على المعاينة للواقع الفعلي، ولأنها شهادة تفيد أن غارة المغول لم تمحُ بغداد برغم ما قيل عنها في المصادر المشرقية، ويبدو أن بغداد قد تعرضت عبر تاريخها الطويل لهزات من الإتلاف والدمار سواء كان من آثار الحرب المدنية بين الأخوين الأمين والمأمون أو من جراء الفتن الداخلية والأزمات الطائفية التي قامت فيها عبر العصور التاريخية·

كذلك إذا تتبعنا رحلة ابن بطوطة في العراق، نجده يتحدث عن ظاهرة التخريب في أماكن أخرى، ولم يكن المتسببون فيها هم المغول، فهنالك تخريب كان ناتجا عن صراعات مذهبية وخصوصا ما يسمى بـ (صراع المذهب الواحد)، فقد أورد ابن بطوطة أمثلة على ذلك - فهو يبدأ حديثه عن أهل مدينة الحلة بهذه العبارات: "وأهل هذه المدينة إمامية اثنا عشرية، وهم طائفتان···، والفتنة بينهم متصلة والقتال قائم"، كما يشير الى الخراب الذي أصاب مدينة كربلاء، بقوله: "وأهل هذه المدينة طائفتان··، وهم جميعا يرجعون الى أب واحد، ولأجل فتنتهم تخريب هذه المدينة"·

 

طغيان المد العشائري:

من الملاحظ أن عرب العراق غير راضين للهيمنات السياسية في المنطقة، والذي يتراءى من رحلة ابن بطوطة أن صوت العرب خفت في منطقتهم، وأن الحكم أصبح في يد المغول والمماليك والأتراك، لذا تواصل شغب العرب على هذه الفئات الأعجمية حتى القرن الثامن الهجري/14م، ومن الأمثلة على ذلك ما ذكره من نير الدمار والخراب الذي استولى على مدينة الكوفة بسبب العدوان التي امتدت إليها قبيلة خفاجة المجاورة لها، وبلغ الأمر أن استفحل أمرهم وسيطرتهم ليس على منطقة الكوفة فحسب، بل على المنطقة الجنوبية في تلك الفترة، حتى أن ابن بطوطة لم يستطع السفر من بغداد الى البصرة إلا في صحبتهم على حد قوله·

حينما يتحدث ابن بطوطة عن بعض الجهات التي ما زال للعرب فيها سطوة فإنه ينصرف الى بادية العراق، ومعنى هذا أننا إذا أردنا أن نستعدل مفهوم الانحطاط السياسي فعلينا أن نقصر إطلاقه على عرب بادية العراق·

 

صراع بين مجتمعين:

يقول ابن بطوطة: "وكنت أحب قصد بغداد العراق فأشار الى بعض أهل البصرة بالسفر الى أرض اللور ثم الى عراق عجم، ثم الى عراق العرب، فعملت بمقتضى إشارته"·

هذه شهادة مهمة تفيد أن العراق واقع بين عالمين وحدودين، فمن المعلوم أن العراق يصل بين العالم العربي والأعجمي، وهنا علينا أن ندرك جليا التناقض الذي تعيشه المنطقة من اختلاف في العرق والفكر والمذهب والتراث، وما يمكن أن ينتج عنه من فتن ونكبات متلاحقة على مر الأوقات·

من تأويل المفهوم السياسي - لعراق العرب وعراق العجم - الذي يورده ابن بطوطة هو أن هذه المنطقة مليئة بالأفكار والمذاهب التي تحتضنها والتيارات التي تتجاذبها، لذا فهي أشبه بالمرجل الذي يغلي، فمن المعلوم تاريخيا أن إيران والعراق أصبحا دولة واحدة تحت الأليخاني المغولي، وقد اتخذوا من مدينة مراغة قرب تبريز عاصمة لدولتهم بعد سقوط بغداد 656هـ، وقد أحسنوا اختيار عاصمتهم هذه لموقعها الجغرافي فهي قريبة من خصومهم خانات القبيلة الذهبية ومن أعدائهم المماليك في مصر والشام، كما أنها تقع وسط البقعة التي يحكمونها وهي إيران والعراق·

لكن هذا الانفصام الجغرافي أوقعهم في صراع مذهبي، هل التشيع أم التسنن؟

أضف الى ذلك أن ابن بطوطة عاصر أواخر دولة الأليخان حيث نظام الإمارات المحلية أو ملوك الطوائف، وهكذا تعرفنا على عدد من هذه الإمارات التي تناثرت في البلاد طولا وعرضا حتى أضحت كالإمارات المتضاربة فيما بينها·

إذن الخريطة السياسية للمنطقة قد تغيرت بصفة جذرية، خصوصا بعد احتلال إيران من طرف المغول ثم السيطرة على بغداد، وفي هذه الظروف المتناقضة إقليميا فلا غرابة من وقوع التخريب في أماكن عدة، إلا أن أكثر أسبابها ناتج عن صراعات مذهبية، وخاصة بين السنة والشيعة·

من أجل ذلك لم يستنكف ابن بطوطة في أن يعقد مقارنة مدروسة بين تلك المنطقة والمناطق الأخرى كالأناضول أو المغرب والأندلس حيث وحده المذهب والفكر والتراث على حد تعبيره·

أما المفهوم المجتمعي في رحلة ابن بطوطة - فهو كما يفسره لنا الدكتور علي الوردي في كتابه "الدراسة في طبيعة المجتمع العراقي"، حيث ربط معاناة الشعب العراقي بوجود التناقض بين عوامل الحضارة وعوامل البداوة وما يتمخض عنهما من ازدواج في تكوين الشخصية العراقية، كما لا يمكن إغفال أن الشعب العراقي واقع بين نظامين متناقضين من القيم الاجتماعية، قيم البداوة الآتية من الصحراء المجاورة، وقيم الحضارة المنبعثة من تراثه فهو شعب حائر قد انفتح أمامه طريقان متعاكسان ومضطر للسير فيهما في آن واحد·

 

آراء واهتمامات:

1 - يجب الدقة في النظرة عند دراسة أحوال المجتمع العراقي على مر العصور، فإن الرؤية الوسطية ستشخص لنا مدى تأثير الثنائيات الأساسية الآتية التي شكلت محور الصراعات والخلافات والانشقاقات الاجتماعية والسياسية والسبب الأول في ديمومة ظاهرة الخراب وتوالي الكوارث على العراق·

2 - يجب الجمع بين مختلف المراحل التاريخية العراقية وإن كانت متناقضة، فقد لوحظ أن هناك تقطيعا تاريخيا زمانيا ومكانيا، أي التناقض في تكوين الشخصية العراقية بين الانتماء الى الحقب الإسلامية العربية والحقب الحضارية القديمة، سومر وبابل وآشور، والأرامية المسيحية، إضافة الى تناقص الآخرين من أبناء العروبة والفئات الأعجمية مثل التركمان والأكراد والسريان وغيرهم·

3 - الذي يتراءى من رحلة ابن بطوطة أن صوت العرب في بلاد العراق قد اختفى في المنطقة وأن الحكم أصبح في أيدي المغول، الأمر الذي أدى إلى تأثر العراق بالمؤثرات المغولية والفارسية خلال هذه الفترة، أما في وقتنا المعاصر فالعراق عراقان، عراق عربي وعراق كردي، العراق الكردي منظم بعض الشيء فيه ملامح رخاء وبناء جديد والعراق العربي مثخن بالجراح مضطرب سياسيا ولا ندري أيستفيق وينظم نفسه أم لايزال يتلفت حوله بحذر وخوف؟!·

 

المصادر

- رحلة ابن بطوطة، تحقيق عبدالهادي التازي، ج2، الرباط "الأكاديمية المغربية"·

- باقر ياسين، تاريخ العنف الدموي، بيروت، 1999م·

- محمد زينبر، الشرق العربي كما يتراءى من رحلة ابن بطوطة، طنجة 1993·

�����
   
�������   ������ �����
 

الضعف العربي:
د.عبدالمحسن يوسف جمال
تشتيت بلد صغير
الى 25 دائرة انتخابية وسيلة ذكية لتفريغ أهم المبادئ الدستورية من محتواها:
المحامي عبد الكريم جاسم بن حيدر
حق الإنسان بإبلاغه بأسباب اعتقاله:
المحامي د.عبدالله هاشم الواكد
ظاهرة الخراب في بلاد العراق: مشاهدات ابن بطوطة:
د· نواف عبدالعزيز الجحمة
لجنة عراقية لاستعادة التراث المفقود:
نيل ماك جريجور - مدير المتحف البريطاني
رحلة قصيرة في تاريخ طويل:
حسين محمد عجيل*
الكل فيهم علة باطنية:
يحيى الربيعان
وزارة المواصلات وخدمة الإنترنت:
المهندس حسن محمد أشكناني
إدارة الإصلاح!:
عامر ذياب التميمي
القبيلة والحركات الدينية:
المحامي نايف بدر العتيبي
عندما أضحى "فيتو" سيدا ينهي القضية:
عبدالله عيسى الموسوي
عفـوا سعــادة السفـير
"حدث العاقل بما لا يليق فإن صدق فلا عقل له" :
عبدالمنعم محمد الشيراوي
الملف الأمني العراقي:
د. جلال محمد آل رشيد
الخطوة الأولى للتعاون بين نساء الكويت والعراق
الجمعية الثقافية النسائية تستقبل رئيسة منظمة نساء العراق:
حميد المالكي
"وعد الحر دين" أيها السياسيون!!:
محمد حسين الصالح