| في العاشر من يونيو 2003 وفي واحدة من قاعات كلية الفنون الجميلة بمنطقة الوزيرية ببغداد، حيث حطم الناهبون كل التماثيل واللوحات والجداريات التي كانت تجمل المكان وتملأ حدائقه المتسعة، قامت مجموعة من المثقفين العراقيين بعقد الاجتماع التحضيري الأول للجنة الوطنية للحفاظ على الممتلكات الثقافية العراقية، بهدف العمل على الحفاظ على ذاكرة العراق الوطنية وصيانة موروثه الثقافي، وقد دعت اللجنة لانتخاب لجان متخصصة في كل مجالات الثقافة والفنون والآثار والمخطوطات والوثائق والتاريخ لتحقيق هذا الهدف·
وقد تشكلت هذه اللجنة من عدد من المتطوعين الذين تصدوا لهذا العمل الوطني، حيث استطاعت تلك المجموعة استقطاب 70 شخصية عراقية مهتمة ومتخصصة لحضور مثل تلك الجلسات والإدلاء بشهاداتهم، والعمل على استعادة ما نهب من آثار وأعمال تاريخية، وسوف تقوم تلك اللجنة بمحاولة توفير الدعم المالي لإنجاز وإعداد كشوف إحصائية لحصر ما تم نهبه، وإعادة تأهيل ما تبقى من آثار وتحف، فضلا عن تجميع كل المعلومات المهمة التي يمكن أن تكون نواة لجهود تهدف الى استرجاع بعض مما نهب، إضافة الى إعداد كتاب تذكاري يحمل شهادات المتخصصين على كل الأضرار التي لحقت بالتراث الثقافي والحضاري العراقي قبل وفي أثناء وبعد الحرب، وقد أدلى عدد كبير من المتخصصين العراقيين بشهاداتهم حول عمليات النهب والسرقة والتدمير، وكانت في مجملها مشاهدات وتلاوة لإحصاءات ودراسات، كما كانت وقفة مع النفس ودعوة للجميع من أجل تحمل المسؤولية، حيث اعتبر جميع الخبراء أنفسهم مسؤولين مع النظام السابق وقوات الاحتلال الحالية عما حاق بتراث العراق من تدمير·
نماذج للنهب
وكانت أحداث النهب والتدمير للتراث العراقي قد طالت كل المجالات حتى المكتبات العامة والخاصة، وتركت الأحداث نماذج صارخة على حقيقة ما جرى لذلك التراث النادر، فقد عاثت جموع من الناهبين نهبا وتخريبا في المكتبة العراقية في بغداد وأضرموا النار فيها، مخلفين وراءهم أكواما من الكتب والمخطوطات أحالتها النيران رمادا وتراثا ثقافيا للبلاد قد ذهب طعما للنيران، كما نهبت مكتبة الأوقاف، وهي المكتبة الإسلامية الرئيسية في العراق القريبة من المكتبة الوطنية وأضرمت النار فيها، وهذه المكتبة تحتوي على نسخ من المصاحف والمخطوطات الدينية التي لا تقدر بثمن، ونقلت وكالة أسوشييتدبرس عن هيثم عزيز، وهو مدرس في المرحلة الثانوية، كان يقف خارج الهيكل المتفحم للمكتبة الوطنية، قوله: "تراثنا القومي قد فقد"، وذكرت الوكالة أن المشهد في داخل المكتبة كان مشهدا من الدمار الكامل، بحيث لم يتمكن مراسلها من تمييز كتاب أو مخطوط وسط الرماد الداكن، وجاء تخريب المكتبات، الذي حصل، على ما يبدو، بعد ثلاثة أيام من أعمال النهب التي أفرغ فيها الناهبون المتحف الوطني العراقي من كنوز من الآثار القديمة البابلية، والسومرية، والآشورية، ومجموعات من المقتنيات التي تؤرخ لدور المنطقة كـ "مهد للحضارة" قبل آلاف السنين"·
وقال فنان تصادف وجوده في أحد أجنحة المكتبة الوطنية تعرض للنهب لم تطله الحرائق: "لا يمكنني التعبير عما يساورني من الأسى"، وكانت المكتبة الوطنية تضم نسخا عن كل الكتب التي نشرت في العراق، بما في ذلك نسخ عن كل أطروحات الدكتوراه، كما حفظت المكتبة كتبا قديمة نادرة عن بغداد والمنطقة، وكتبا مهمة من ناحية تاريخية تعالج قواعد الصرف والنحو في اللغة العربية، ومخطوطات قديمة باللغة العربية كان العمل جاريا على طباعتها تدريجيا·
وقال عزيز: "كان لديهم مخطوطات من الحقبتين العثمانية والعباسية، وكلها كانت ثمينة، ومشهورة، أشعر بالأسى البالغ"·
وأبلغ هارون محمد، وهو كاتب عراقي واسع الاطلاع مقيم في لندن، وكالة أسوشييتدبرس للأنباء أن المخطوطات القديمة قد نقلت من المكتبة الى دار للمخطوطات تقع على الضفة الغربية لنهر دجلة·
وقال رعد مزاحم، وهو طالب في قسم الموسيقى يبلغ من العمر 27 عاما، كان يقف وسط أكوام من الأوراق في غرفة الدوريات في المكتبة: "لقد كانت هذه أفضل مكتبة في العراق، أتذكر أنني كنت آتي الى هنا كطالب، لقد كانوا يتميزون بحسن الوفادة، بحيث كانوا يسمحون للطلبة بإجراء بحوثهم، وكتابة أوراقهم البحثية"، وأضاف: "لا يمكن أن يكون هذا من صنيع عراقيين"·
خبراء اليونسكو
وكانت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو"، والمتحف البريطاني، قد أعلنا أنهما يزمعان إرسال فرق من الخبراء الى العراق لترميم المتاحف والمصنوعات اليدوية التي تعرضت للتخريب في أعقاب غزو العراق الذي قادته الولايات المتحدة، وقالت اليونسكو، التي تتخذ من العاصمة الفرنسية، باريس، مقرا لها، إن فريقها سيدرس أوضاع المتاحف والمواقع التاريخية وسيحدد طرقا لترميمها والعثور على مانحين محتملين، حيث عقد نحو 30 خبيرا اجتماعا في المقر الرئيسي لليونسكو لإجراء تقييم أولي للوضع، وقال المدير العام للمنظمة كويتشيرو ماتسورا في بيان أصدره: "التجربة الحديثة العهد لليونسكو، تظهر أن الثقافة يمكن أن تلعب دورا رئيسيا في تعزيز عملية السلام"·
المتحف البريطاني
من جهته، قال المتحف البريطاني في لندن إنه سيرسل فريقا الى العراق أيضا، ودعا المتحف الأمم المتحدة أيضا الى فرض حظر على بيع الآثار القديمة المنهوبة من العراق، وقال مدير المتحف البريطاني نيل ماك جريجور: "على الرغم من أننا مازلنا في انتظار معلومات دقيقة، فإنه من الواضح أن كارثة قد حلت بالتراث الثقافي للعراق"، وأردف قائلا: "نأمل أن يكون بإمكان الحكومة البريطانية والمجتمع الدولي التحرك بسرعة لاتخاذ خطوات لتفادي إلحاق المزيد من الأضرار بالتراث الثقافي للعراق وتمهيد الطريق أمام استعادة الأشياء المنهوبة، وللحفاظ على تلك التي مازال من الممكن أن ترمم"·
صندوق دعم عربي
وفي اجتماع لمجلسي وزراء الإعلام والثقافة العرب، عقد بالقاهرة في نهاية يونيو 2003، قرر المجتمعون، فيما يتعلق بحماية التراث العراقي، نشر موضوع استعادة التراث الثقافي العراقي على أوسع نطاق دولي ممكن، من خلال الوسائل الإعلامية والثقافية، والتحذير من مخاطر نهب هذا التراث التي تتعلق بطمس الهوية العربية للشعب العراقي، كما قرروا تشكيل فرق من المتخصصين والخبراء في مجالي التراث الثقافي والآثار للمشاركة في تقديم المعلومات الفنية اللازمة عن الآثار والتراث العراقي، لمساعدة الجهات الأمنية والجمركية والإنتربول على ضبطها واستعادتها·
كما أكدوا في اجتماعهم ضرورة دعم عمليات ترميم الآثار والقطع التراثية العراقية التي أصابها التلف والتدمير من خلال الجهات المعنية والمتخصصة في الدول العربية، وأشاروا الى أن هذا الدعم يمكن أن يكون من خلال إنشاء صندوق لدعم التراث الثقافي في العراق، تتكون موارده من إسهامات الدول العربية الأعضاء، وتستخدم هذه الموارد في عملية إعادة المنشآت والمؤسسات التراثية والحضارية بالعراق لمزاولة دورها وأنشطتها·
* مجلة الإنساني: اللجنة الدولية للصليب الأحمر صيف 2003
|