|
عندما ظهر أسامة بن لادن على شاشات التلفزيون في العالم، تبدت على وجهه براءة وطيبة الشيوخ، أعني كبار السن، وتكلم بطريقة المدافع، والمعتدى عليه، وحتى التهديدات التي أطلقها على الولايات المتحدة الأمريكية بدت كأنها تهديد طفل ضعيف، لإنسان بالغ أمامه، وقد تساءل بعض مشاهديه، كيف أمكن لهذا الإنسان البريء أن يقوم بكل تلك العمليات الإرهابية العنيفة؟ كيف يستطيع الإنسان أن يخطط لقتل آلاف الناس الأبرياء والذين لا تربطهم به أي صلة، وهم من مختلف الجنسيات في العالم، ومن مختلف الأعمار ويقتلهم في منظر بشع جدا، وهو لا يزال بكل براءة، حياً يتكلم ويأمل ويشرب ويؤم، آلافا؟
المجرم إن قتل نفسا، بات بائسا تفترسه الكوابيس، والأفكار السيئة طوال حياته، فكيف بالذي قتل آلاف الأنفس؟
ولكن الذي يميز الإنسان هو عقله، فإن “غيب العقل” تحول الإنسان الى شيء آخر، مثل الحيوان·· ناطق ولكن غير إنسان! فأين غاب العقل؟
قبل 1400 سنة، وعند بدء الدعوة الإسلامية كانت هناك حروب وقد كانت في حينها حروب مشروعة لنشر الدعوة الإسلامية وتثبيت أركانها، ولكن بعدها استتب الأمن للدولة الإسلامية، وعرفت حدود دولة الإسلام من حدود العالم الآخر والنصارى واليهود وغيرهم عاش الجميع بسلام وانشغلوا بإرساء دعائم الدولة، وهكذا ازدهرت العصور الإسلامية في الدولة الأموية والعباسية والأندلسية وغيرها·
ولكن يبدو أن التطور الغربي السريع والمذهل، قد أقعى البعض عن اللحاق به عمليا وفكريا، فلما عدمت الوسيلة للحاق بهم، انكفؤوا على أنفسهم، وهكذا قرروا قطع العلاقة بينهم وبين العالم المتقدم، ولكنه حسب مقاييسهم الخاصة المخطئ والكافر· ولذا قرروا في بداية الأمر الترهيب والانقطاع لله سبحانه وحده، وبعدما قويت شوكتهم وبفضل سطوة المال قاموا بمحاربة العالم المختلف عنهم ذاك هكذا بكل بساطة·
وهنا بالضبط غيب العقل وغاب في مجاهل التخلف، وابتعد عن العلم وأسباب التقدم وابتعد حتى عن تعاليم الدين الإسلامي الحنيف، الذي يدعو للتفكر والتسامح·
المشكلة أنه عندما ينكفئ العقل ويغيب يغدو الإنسان حيوانا مفترسا فلا يجدي معه تفاهم أو اتفاق فهو ناف وناكر لكل ما عداه· إن هذا العقل الصدئ لم يخلق هكذا، ولكنه حتما نتج عن تفاعل الكثير من الأسباب والمؤثرات حوله، ولسنا بصدد البحث في الأسباب التاريخية والسياسية لظاهرة التطرف، ولكننا في هذه المرحلة الحرجة يجب علينا أن نختار أي حياة نحيا فإما أن نستفيد من ضوابط التقدم التي تتيح للإنسان العيش الكريم، مثل الالتزام بالدستور والحياة الديمقراطية، واحترام الدولة للإنسان والمحافظة عليه، وإما أن نختار شريعة الغاب، التي تقوم على الفردية والقسرية في تسيير أمور الحياة ونرتد الى عالم تعس (وأحداث الجزائر الطاحنة ما زالت ماثلة أمامنا) وهذا ما لا يمكن تقبله لأنه ضد طبيعة الحياة الماثلة للتقدم وخير الإنسان·
وبرغم الجريمة الشنعاء لبن لادن إلا أننا نشكره لأنه فقأ الدمل وأعطانا بل وأعطى الأمة العربية كلها السبب الكافي لإصلاح ما يمكن إصلاحه قبل أن يصيبنا العطب·
إننا نوجه دعوة ملؤها الرجاء والمحبة لبلورة وتشكيل تيار فكري مناهض للعنف، ويدعو للعيش بسلام والتسامح في المجتمع الواحد أولا ثم مع العالم كله· فإذا كان حزب الخضر يدعو للسلام مع البيئة والمحافظة عليها، فالدعوة موجهة هنا للسلام بين الإنسان وأخيه الإنسان والمحافظة عليهما فهل من مستجيب؟ |