| الحوار الذي دار في مجلس الأمة عند مناقشة قانون المستثمر الأجنبي يعبر عن بداية ظاهرة صحية في العلاقة بين السلطتين نتعشم أن تتجذر أصولها وتقوى أركانها، كما أنه يمثل أسلوباً جدياً في معالجة القضايا المطروحة افتقدناه منذ زمن طويل في الدوران في نقاشات سفسطائية لا جدوى منها· والاستثمار، سواء أكان أجنبياً أم محلياً، بحاجة إلى توفير البيئة المناسبة لاستقطابه، وبخاصة أن دول العالم النامي قاطبة متلهفة على رأس المال الأجنبي لتشغيل الأيدي العاملة فيها وتطوير اقتصادياتها، وهي في سبيل ذلك مستعدة لمنح الكثير من التسهيلات والتغاضي عن العديد من المخالفات· لكن الوضع في الكويت يختلف عن الوضع في الدول النامية الفقيرة، فالقضية ليست بالنسبة لنا قضية حاجة إلى رأس المال الأجنبي أو الحاجة إلى تشغيل الأيدي العاملة الوطنية غير الفنية، فنحن في الأساس مبتلون بداء جلب العمالة الوافدة غير الماهرة وإطلاقها في الشوارع لتشكل عبئاً على الخدمات العامة ووصمة عار في جبيننا في قضايا حقوق الإنسان· بالدرجة الأولى نحتاج إلى الاستثمار الأجنبي بهدف اكتساب التقانات العصرية وتدريب الشباب في مجالات التقانة وإدارة الأموال والمشاريع في أطر ظاهرة العولمة التي أضحت واقعاً لا مفر منه بغض النظر عن رغباتنا وآرائنا في مضامينها السلبية· وفي ظل هذه الحاجة الفريدة فإن صياغة أي مشروع قانون لتقنين الاستثمارات الأجنبية والمحلية لا بد من أن يأخذ بعين الاعتبار القضايا المتعلقة بنسبة التوظيف المحلي والتدريب والتأهيل إضافة إلى القضايا البيئية وغيرها·
وبطبيعته فإن رأس المال يبحث عن المناخ الذي يوفر له ربحية أكثر ويقدم له التسهيلات المناسبة والإعفاءات الضريبية المرنة ليزيد بذلك من فرص نمائه واحتمالات نجاحه· ولعل القيود المالية والأمنية والإدارية كانت السبب الرئيسي وراء هروب رأس المال الوطني خارج البلاد، وبخاصة خلال السنوات الخمس السابقة التي شهدت نمواً اقتصادياً غير مسبوق في الولايات المتحدة وأوروبا· بيد أن المؤشرات الاقتصادية في أوروبا والولايات المتحدة تشير إلى انكماش معدلات النمو على مدى السنوات الثلاث المقبلة، ويذهب البعض إلى احتمال حدوث ركود اقتصادي في هذه الدول· هذا الظرف الجديد قد يكون عاملاً مساعداً لإعادة رؤوس الأموال الوطنية، وهي قضية من وجهة نظرنا أهم بكثير من محاولة جذب رأس المال الأجنبي، بل قد تكون المدخل الصحيح لذلك· لكن عودة رؤوس الأموال هذه بحاجة إلى طفرة فكرية في المنهج الإداري وقفزة نوعية في أسس الإدارة المالية وتحرراً من كوابيس الهواجس الأمنية التي انتابتنا خلال العقد الأخير من القرن الماضي فكانت المحرك الرئيسي للإجراءات المقيدة لنشاط رأس المال·
الكرة الآن في ملعب الحكومة ممثلة بوزارة المالية والبنك المركزي، فقبل وضع أي مشروع قانون للاستثمار الأجنبي موضع التنفيذ لا بد من توفير إجراء الأمان والاطمئنان لعودة رأس المال المحلي· |